هو أكثر ماله ولكنه صار مشتبها به ، فقد يؤدي ترادف الشبهات إلى أن يشتد الأمر في اقتحامه . وليس في قوة الامر حصرها ، فما اتضح من هذا الشرح أخذ به ، وما التبس فليجتنب فإن الإثم حزاز القلوب ، وحيث قضينا باستفتاء القلب أردنا به حيث أباح المفتي . أما حيث حرمه فيجب الامتناع ، ثم إنّ في الاستفتاء لا يعول على كل قلب ، إذ رب موسوس ينفر عن كل شيء ، ورب شره متساهل يطمئن إلى كل شيء ، وانما الاعتبار بقلب العالم الموفق المراقب لدقائق الأحوال ، فهو المحل الذي يمتحن به خفايا الأمور ، وما أعز هذا القلب في القلوب ، فمن لم يثق بقلبه فليلتمس النور ممن قلبه بهذه الصفة وليعرض عليه واقعته .
المطلب الرابع في البحث والسؤال ، والهجوم والإهمال ومظانهما
واعلم : أن لا وجه للتفتيش عن كل ما أهدى إليك أو وهب أو بيع منك ، وليس لك أيضا أن تترك البحث فتأخذ كل ما تجده ، بل للتفتيش أحوال :
فإنه واجب مرة وحرام أخرى ، ومندوب اليه مرة مكروه أخرى ، فمثار الشبهة فيها في أمرين : إما في المال أو في صاحبه .
النوع الأول : أحوال المالك . وهي ثلاث :
الحالة الأولى : أن يكون مجهول الحال ، بأن لا يكون في زي الظلمة ولا في زي العلماء والصلحاء ، فإن كنت غريبا تريد ان تشتري خبزا ولا تدري صاحبه ، فلا يلزمك السؤال ، بل يده واسلامه كافيتان في الهجوم على أخذه .
وقولك : الفساد غالب في الناس وسوسة وسوء ظن بالمسلم ، ويدل عليه : أن الصحابة كانوا ينزلون القرى ، ولا يتركون القرى ويدخلون البلاد ، ولا يتحرزون من العباد ، وكان الحرام موجودا في زمانهم أيضا . فليس له السؤال :
من أين اكتسبه ، ومن أين حصل له ، بل إن حصل له فيه ريبة فليتلطف في الترك ، وان كان لا بد له من أكله فليأكل بغير سؤال ايذاء وهتك سر وايحاش وهو حرام بلا شك ، وليس الآثم في ايذاء مسلم بأقل من الآثم في أكل شبهة .