موصل اليه ، وقد عصى اللّه بحفره ؛ وامتناع آخر عن كرم سقي بنهر مذكور وهو أبلغ في الورع منه ؛ وأعلى من ذلك امتناع ذي النون من طعام حلال أوصل اليه بيد سبحان ، وقوله : انه جاءني على يد ظالم .
ودرجات هذه الرتب لا تنحصر ؛ والأدنى منها - وهي قريبة من الوسواس :
ان يمتنع من حلال وصل اليه على يد رجل زنى أو قذف ، وليس هذا كما وصل على يدي من أكل الحرام ، فإن الموصل قوته الحاصلة من الحرام ، والزنا والقذف لا يزيدان في القوة ، ولو امتنع الشرب من كوز لأن صانعه قد عصى اللّه يوما بضرب انسان أو شتمه لكان وسواسا .
وأعلم : ان كل هذا خارج عن فتوى العلماء من الفقهاء ، لأن فتواهم تختص بالدرجة الأولى التي يمكن بها تكليف العامة ، ولو اجتمعوا عليها لم يخرب العالم دون ما عداه من ورع المتقين والصالحين الذين لا يفتيهم الا قلوبهم ، لكن يخرج عن هذا قلب الموسوس لأنهم قوم شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم كما شدد على أصحاب موسى عليه السلام .
النوع الرابع : المعصية في العوض . ولها درجات :
العليا : أن يشتري شيئا في الذمة ويقضي ثمنه من غضب أو مال حرام ، فإن سلم البائع اليه الطعام قبل قبض الثمن بطيب قلب فأكله قبل قضاء الثمن فهو حلال ، وتركه ليس بواجب بالاجماع ولا هو من الورع الكامل ، وانما الاثم بقضاء الثمن من الحرام لكن لا ينقلب الطعام حراما ، فإن أبرأه البائع مع العلم بأن الثمن حرام فقد برئت ذمته ولم يبق عليه الا مظلمة تصرفه في الحرام ، فان أبرأه على ظن أن الثمن حلال فلا يحصل له البراءة من الثمن ، لأنه أبرأه بشرط الاستيفاء ولا يصلح الحرام للايفاء . وان لم يسلم اليه بطيبة قلب ولكن أخذه فأكله حرام ، سواء أكله قبل توفية الثمن من الحرام أو بعده ، إذ للمالك حق الحبس حتى يقبض الثمن ، وانما يبطل حق حبسه بالإبراء والاستيفاء ولم يجر شيء منهما ، ولكنه أكل ملك نفسه وهو عاص به عصيان الراهن للطعام إذا أكله بغير اذن المرتهن وبينه وبين أكل طعام الغير فرق ، ولكن أصل التحريم شامل .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 229
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٢٢٩