تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
ويدل على ما ذكرنا ان في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقع الغلول واختلط بالأموال ، وكذا اختلط أثمان الخمور في أيدي أهل الذمة ، بل الربا أيضا ، وكذا في زمن الصحابة والتابعين . وقد نهب يزيد المدينة شرفها اللّه ثلاثة أيام ، ولم يمتنع أحد من الصحابة عن الشراء في السوق الا القليل يعلمون من أهل الورع . ومن زعم أنه تفطن من الشرع ما لم يتفطنه السلف الصالحون فهو موسوس مختل العقل ؛ وأيضا : لو فتح هذا الباب لانسد باب جميع التصرفات وخرب العالم ، إذ الفسق غالب على الناس ويتساهلون في شروط الشرع . فإن قلت : ما ذكرته فيما إذا كان الحرام قليلا وقد صار الحرام في زماننا أكثر ، قلت ليس هو أكثر بل هو كثير ؛ وقولك : الحرام أكثرا ما لكثرة الظلمة أو كثرة المعاملات الفاسدة أو كثرة الأيدي . الأول باطل : إذ الظلمة وهو الجندية وذو الغلبة والشوكة إذا أضيفوا إلى جملة العالم لم يبلغوا عشر عشرهم . وكذا الثاني : إذا أكثر المسلمين يتعاملون بشروط الشرع ، وأهل الربا بينهم قليل فضلا عن كونهم كثيرا أو أكثر . وأما الثالث : فلأنّ الأموال انما تحصل من المعادن والنبات والحيوان ، ولم يبق درهم واحد ولا دينار خرجت من معدن أو دار ضرب الا تناوله يد الظلمة ؛ وكذا الحال في الحيوان ، فلم يبق الا الصيد والحشيش والحطب في الموات ، فالجواب عنه : ان هذه الغلبة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال ، فالتحق بما عددناه من قبل وهو تعارض الأصل والغالب . فالحكم فيه : ان الغالب الذي لا يستند إلى علاقة تتعلق بعين ما فيه النظر مطرح ، فلا يقال : أصول الحرام أكثر ، بل أصول الحلال لم تزل أكثر في كل عصر وزمان ، وذلك ظاهر لمن تدبر باذعان وامعان ، وانما الكلام فيما إذا قدر غلبة الحرام واختلط غير محصور ولم يكن في العين المتناولة علامة خاصة .