المطلب الثالث في مراتب الشبهات وتمييزها عن الحلال والحرام
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه » . فهذا الحديث مدار أمر الشرع وقطب أحكام الدين ، وفيه نص في اثبات الأقسام الثلاثة .
والمشكل منها هو القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس ، فلا بد من كشف الغطاء عنه . فنقول : الحلال المطلق وهو الذي لا تتطرق اليه أسباب التحريم أو الكراهية : كماء المطر قبل أن ينزل على ملك أحد ؛ ويقابله الحرام المحض : وهو اما حرام لعينه بصفة مجربة : كالشدة في الخمر والنجاسة في البول ، أو حصل بسبب منهى عنه كالمحصل بالظلم والربا ونظائره ، فهذان طرفان ظاهران . ويلتحق بالطرفين ما تحقق أمره ولكن احتمل بغيره ، ولكن لم يكن لذلك الاحتمال سبب يدل عليه ؛ مثل : صيد البر والبحر حلال ، فيحتمل أن تفلت الظبية من صياد ، والسمك قد تزلق من خريطة صياد ، فالورع في أمثاله وسواس ، اللهم الا أن يدل عليه دليل : كالجرح في الظبي والحلقة في أذن السمكة . وبالجملة : ما لم يترجح أحد طرفي الشك لا يعتبر به أصلا ، ولا يعد ذلك شبهة ، وانما الشبهة : احتمال حرمة يستند إلى دليل ويعارض أصل الحل .
ومثارات الشبهة خمسة :
المثار الأول الشك في السبب المحلل والمحرم
فذلك أقسام أربعة :
الأول : أن يكون التحريم معلوما من قبل ثم يقع الشك في المحلل ، فهذه شبهة يجب اجتنابها ويحرم الأقدام عليها ، فهذا حرام لأن الأصل التحريم .