المطلب الثالث في آداب تقديم الطعام إلى اخوانه الزائرين
وله فضل كثير . وفي الخبر : لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه ، وكذا على السحور وما أفطر عليه .
وكان الصحابة يقولون : الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق .
وكانوا يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون الا عن ذواق .
وأما آدابه : أن لا يدخل وقت الأكل بلا اذن ؛ وفي الخبر : من مشى إلى الطعام لم يدع اليه مشى فاسقا وأكل حراما . وأما إذا كان جائعا فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتربص به وقت أكله فلا بأس به ، إذ فيه إعانة لذلك المسلم على حيازة ثواب الاطعام . وكان ذلك عادة السلف ، قصد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر وعمر منزل أبي الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاري لأجل طعام يأكلونه وكانوا جياعا ، وكان لعون بن عبد اللّه المسعودي ثلاثمائة وستون صديقا يدور عليهم في السنة ، ولآخر ثلاثون يدور عليهم في الشهر ، ولآخر سبعة ، فكان إخوانهم يعولونهم بدلا من كسبهم ، وهم كانوا يتبركون باطعامهم .
فإن دخل ولم يجد صاحب الدار - وكان واثقا بصداقته عالما بفرحه - فله أن يأكل بغير اذنه ، إذ المراد من الأذن الرضا لا سيما في الأطعمة ؛ وأمرها على السعة : فرب رجل يصرح بالأذن ويحلف وهو غير راض فأكل طعامه مكروه ، ورب غائب لم يأذن وأكل طعامه محبوب . وقال تعالى
أَوْ صَدِيقِكُمْ
وقد فعله السلف .
وأما آداب التقديم : فترك التكلف أولا وتقديم ما حضر ، ولا يستقرض لأجله . وان لم تسمح نفسه فلا يقدم وان رأى المحتاج .
والتكلف هو : ان تزيد ما تأكله في الجودة والقيمة ، وانما يكره لأدائه إلى كراهة الزائر وملله وانقطاعه عن المجيء اليه .