تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
فاعلم : أنه لا يجوز التهاون بالتفسير الظاهر أولا ، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل احكام الظاهر ، وهذا أمر اتفاقي . وانما الخلاف في أن وراءه معاني أخر يفهمها من أعطى فهمه أم لا ؛ والحق جواز ذلك عقلا ونقلا . أما نقلا : فقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا » ؛ وقال علي رضي اللّه عنه : لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب ؛ وقوله أيضا : الا أن يؤتى اللّه عبدا فهما في القرآن . ومعلوم أن تلك البطون والحد لم تنقل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومعلوم أيضا أن وقر سبعين بعيرا في الفاتحة لم يمكن بالنقل ، وكذا ما يؤتى اللّه عبدا فهما خارج عن النقل ، فظهر أن في القرآن معاني كثيرة وراء النقل . ومثال هذه الأخبار والآثار كثيرة . وأما عقلا : فهو أن النهي عن التفسير بالرأي : إما لحمله على معتقده الباطل وهواه ؛ وإما بأن يعتقد على ذلك جهلا ، أو يعتقد على خلافه لكن يلبس على خصمه ؛ وإما أن يفسره على ظاهر العربية ، من غير نقل وسماع فيما يتعلق بغرائب القرآن ، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة ، وما فيه من الاختصار والحذف والاضمار والتقديم والتأخير ؛ فمن خلص فهمه عن هذه الآفات لا يشغله الوعيد المذكور ، ثم من يؤيد فهمه بنور الكشف والشهود فذلك ما أشار اليه ابن عباس : من أراد علم الأولين والآخرين فليثوّر القرآن . ولعلك سمعت فيما سبق ما يفتح عليك الاشكال المذكورة ، واللّه ولي التوفيق في كل الأمور . ولعل العمر لو أنفق في استكشاف أسرار القرآن وما يرتبط بمقدماتها ولواحقها ، لانقطع العمر قبل استيفائها ، وما من كلمة في القرآن الا وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك ، وانما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم ، وتوفير دواعيهم على التدبر ، وتجردهم للطلب ، ويكون لكل واحد حد في الترقي إلى درجة منه ، وأما الاستيفاء فلا مطمع فيه ، ولو كان البحر مدادا والأشجار أقلاما لنفد البحر قبل أن تنفد أسرار القرآن .