وذهب القاضي في ( الانتصار ) إلى جواز تسمية الفواصل سجعا . وقال الخفاجي في ( سر الفصاحة ) : قول الرماني أن السجع عيب والفواصل بلاغة غلط ، لأنه أراد أن السجع ما يتبع اللفظ المعنى ، فذلك حسن في السجع أيضا .
وان أراد ما يتبع المعنى اللفظ ، فذلك عيب في الفاصلة أيضا . وانما لم يسموا القرآن سجعا تنزيها عن الوصف اللاحق بكلام الكهنة . فان قيل : إذا كان السجع محمودا ، فلم لم يرد القرآن كله مسجوعا ، قلنا : المحمود عند الفصحاء أن لا يكون الكلام سيما إذا كان مع الطول مسجوعا كله لما يكون حينئذ متكلفا مستكرها ، بل الفصيح عندهم الكلام الغير المسجوع غالبا ، ولم يخل عن السجع أيضا في مواضع يحسن هو فيها ، ولا يلزم من حسن شيء إذا قل حسنه ، مع الكثرة كالخال في الوجه الصبيح ، فيقبل منه ما أجتلبه الخاطر عفوا بلا تكلف ، ويتنفر منه ما يكون مستمرا على نمط واحد ، ويمل منه الطبع ، ولأن الافتنان من ضروب الفصاحة .
وأعلم أن الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي ألف كتابا سماه :
( أحكام الرأي في أحكام الآي ) ، وقال فيه : واعلم أن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية يرتكب بها أمور من مخالفة الأصول . قال : وتتبعت الأحكام التي وقعت في آخر الآي مراعاة للمناسبة ، فعثرت منها على نيف وأربعين حكما :
أحدها : تقديم المعمول ، أما على العامل ، نحو :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
« 1 » ، أو على الفاعل ، نحو :
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ
« 2 » ، أو تقديم خبر كان على اسمها ، نحو :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
« 3 » .
والثاني : تقديم ما هو مؤخر في الزمان ، نحو :
فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى
« 4 » .
والثالث : تقديم الفاضل على الأفضل ، نحو :
بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى
« 5 »
هامش
( 1 ) سورة الفاتحة ، آية : 5 .
( 2 ) سورة القمر ، آية : 41 .
( 3 ) سورة الاخلاص ، آية : 4 .
( 4 ) سورة النجم ، آية : 25 .
( 5 ) سورة طه ، آية : 70 .