خَيْراً
« 1 » ، أي أنزل خيرا ؛ أو دليل عقلي حيث يدل على أن الكلام لا يصح إلا بتقدير محذوف ، فتارة يدل على أصل الحذف والتعيين من دليل آخر ، نحو :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
« 2 » ، والعقل يعلم أن الحرمة من صفات الأفعال ، والميتة من الأعيان ، فيعرف أن هناك حذفا ، وكون المحذوف تناولها مستفاد من الحديث ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « انما حرم أكلها » .
وتارة يدل على تعيين المحذوف ، نحو :
وَجاءَ رَبُّكَ
، أي أمره ، لأن العقل دل على استحالة مجيء الباري ، لأنه من سمات الحادث ، وعلى أن الجاني أمره .
وقد تدل عليه العادة تارة ، نحو : « فذلكن الذي لمتنني فيه » ، ولا يكون يوسف عليه السلام ظرفا للوم عقلا ، فالعادة تعينه وهو المراودة ، إذ الحب المفرط لا يلام عليه عادة ، والمحتمل هما لا غير بدليل السياق . وتارة يدل عليه التصريح في موضع آخر ، وهو أقوى الدلائل ، نحو : « رسول من اللّه » ، أي من عند اللّه ، بدليل :
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
« 3 » .
ومن الأدلة على أصل الفعل العادة بأن لا يمنع العقل عن اجرائه على ظاهره من غير حذف ، نحو :
لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ
، والعقل وان جوز عدم علمهم بالقتال لكن العادة تمنعه ، لأنهم كانوا أخبر الناس به ، حتى كانوا يعيرون بعدم علمهم به ، فلهذا قدر مجاهد : لو نعلم مكان قتال ، ويدل عليه أنهم أشاروا على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن لا يخرج من المدينة .
قاعدة :
اعتبر الأخفش في الحذف التدريج حيث أمكن . ولهذا قال في :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
« 4 » ، أن الأصل لا تجزى فيه ، فحذف حرف الجر ، فصار تجزيه ثم حذف الضمير فصار تجزى . وهذه ملاطفة في
هامش
( 1 ) سورة النحل ، آية : 30 .
( 2 ) سورة المائدة ، آية : 3 .
( 3 ) سورة البقرة ، آية : 101 .
( 4 ) سورة البقرة ، آية : 48 .