تصوّر الدنيا يزيد الغموم
قال الشاعر :
ومن عرف الأيام لم ير خفضها * نعيما ولم يعدد تصرّفها بلوى « 1 »
الدّنيا واعظة
قال أمير المؤمنين : أيها الذام الدنيا بم غرتك ؟ بمصارع آبائك تحت الثرى ، أم بمضاجع أمهاتك في البلى . كم مرّضت بيديك وغسلت بكفيك فلم يغن عنك . وقيل : ما ضمنت الدنيا لأحد المتاع بها ، بل نادت فصرخت إنها ميراث الدول وصبابة الأزمنة وأوعية الفجائع ومفرقة الآلات .
وقال عبد اللّه بن عيينة :
إن الليالي والأيام لو بحثت * عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا
وقال أبو تمّام :
عمري لقد نصح الزمان وأنه * لمن العجائب ناصح لا يشفق
وقال أبو العتاهية :
نحن في دار تخبرنا * ببلاء ناطق لسن
قال المسيح عليه السلام : الدنيا مزرعة إبليس وأهلها له حرّاث . وقيل : كل قتيل يقتص له يوم القيامة إلا قتيل الدنيا يقتص منه .
مدح الدنيا بأنّها يتوصّل بها إلى الآخرة
ذمّ رجل الدنيا بحضرة أمير المؤمنين فقال : أسكت فإن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار غناء لمن تزوّد منها ودار عافية لمن فهم عنها ، مسجد أبينا آدم ومهبط وحيه ، متجر أوليائه فاكتسبوا منها الرحمة وادّخروا منها الجنة .
وقيل : الدنيا دار تجارة والويل لمن تزوّد منها الخسارة .
الدّنيا محبوبة وإن كانت معيوبة
قال الشعبي : ما أعلم لنا وللدنيا كقول كثيّر :
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدنيا ولا مقليّة إن تقلّت « 2 »
وقال المأمون : لو نطقت الدنيا لم تصف نفسها بأجود مما قال أبو نواس :
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت * له عن عدوّ في ثياب صديق
هامش
( 1 ) الخفض : سعة العيش - تصرّفها : تقلّبها عليه .
( 2 ) مقلية : أي مبغضة ومكروهة - قلى : أي أبغض ومقت وكره .