وقال آخر :
عليك باغباب الزّيارة إنّها * تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت الغيث يسأم دائما * ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
شكوى من خفف الزيارة
قال كشاجم :
بأبي وأمّي زائر متقنّع * لم يخف ضوء الشمس تحت قناعه
لم أستتمّ عناقه لقدومه * حتى ابتدأت عناقه لوداعه
فمضى وأبقى في فؤادي حسرة * تركته موقوفا على أوجاعه
وقال آخر :
وزائر زار وما زارا * كأنّه مقتبس نارا
ألمّ بالباب أخا نجوة * ما ضرّه لو دخل الدارا
نفسي فدا لك من زائر * ما حلّ حتّى قيل قد سارا
وقال ابن أبي البغل :
حبيب إذا ما زارنا قلّ لبثه * وإن هو عنّا غاب طال جفاؤه
وفي عذر تخفيف الزيارة قال أبو العيناء : سلام معظّم ، وجلوس مخفّف وانصراف متأسف .
شكاية من تأخّر عنك
حاذرت إذ واصلت إملالنا * فخف إذا ما غبت أن نسلو
وقال إسحاق : كنت أزور العبّاس بن الحسن فتأخرت عنه مدة مديدة فقال لي أذقتنا نفسك فلما استعذبناك لفظتنا .
وكان بعضهم يختلف إلى الأعشى فتأخّر عنه أياما فلقيه ، فأنشده :
ولجّ بك الهجران حتّى كأنّما * ترى الموت في البيت الذي كنت تألف
قال العبّاس بن الأحنف :
من ساءل بدر الدجا * ما باله ترك الطلوعا
وقال ابن الرومي « 1 » :
يعتلّ بالشغل عنّا ما يزاورنا * والشغل للقلب ليس الشغل للبدن « 2 »
هامش
( 1 ) ابن الرومي : عليّ بن العبّاس ( 836 - 896 ) شاعر بغداديّ من أعظم الشعراء في الدولة العباسية . ولد في بغداد من أب رومي وأمّ فارسية . أثر تراثه اليوناني في شعره . كان ضيق الأخلاق متشائما متطيرا ، وقد أكثر من التغنّي بالطبيعة .
( 2 ) يقول : إن المحبوب يتذرّع بالانشغال حتى لا يزورنا ، والانشغال في نظر الشاعر هو للقلب وليس للبدن .