تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء — صفحة 687

مساهمون:

ص٦٨٧
وقد استجيد قول زهير :
أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله * ولكنّه قد يهلك المال نائله
أي ليس ممن يعطى لسكره ولكن يعطي لسخائه . وقيل : ليس ينفق ماله في شرب الخمر ولكنه في البذل . قال البحتري :
تكرمت من قبل الكئوس عليهم * فما استطعن أن يحدثن فيك تكرّما
وقال المتنبّي :
لا تجد الخمر في مكارمه * إذا انتشى خلّة تلافاها « 1 »

عذر سخيّ بخل في بعض الأحوال

قال الحسن بن علي رضي اللّه عنهما لرجل سأله شيئا ، فلم يمكنه : لو أمكنني لكان الحظ فيه لنا دونك ، فإن حرمنا شكرك فلا تحرمنا سعة عذرك . قصد رجل الحسن بن سهل في حالة عسره فاستماحه ، فلم ينل منه مطلبه فعاتبه ، فقال الحسن :
الجود طبعي ولكن ليس لي مال * وكيف يسمح من بالدين يحتال وشيمتي في العطايا لا تزايلني * وليس ما أشتهي يأتي به المال
واستبطأ دعبل أبا دلف ، فبعث إليه دنانير ، وكتب معها :
أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا * قلا ولو أمهلتنا لم تقلل فخذ القليل وكن كأنّك لم تسل * ونكون نحن كأنّنا لم نسأل
ومدح البحتري طاهر بن محمد ، فبعث إليه دنانير ، وكتب معها بأبيات منها :
والشريف الظريف يسمح بالعذ * ر إذا قصّر الصديق المقلّ
فكتب إليه البحتري :
وإذا ما جزيت شعرا بشعر * يبلغ الحقّ فالدنانير فضل
دخل بعض الطالبيين على إسحاق الموصلي فأطال الجلوس ، فلما خف الناس كلّمه في حاجة ، فقال : ما إلى ذلك سبيل . فسكت قليلا ثم عاوده ، فقال له كذلك ، فقال :
لا ييئسنّك من كريم نبوة * ينبو الفتى وهو الجواد الخضرم « 2 » فإذا أبى فاستبقه وتأنّه * حتى يفيء به الطباع الأكرم
فاهتز لكلامه ، وقال : قد عاد الطباع الأكرم وخوّله . وفي المثل : بيتي يبخل لا أنا . وقال وال لرجل كان يكثر سؤاله : دع الضرع يدرّ لغيرك كما درّ لك .
هامش
( 1 ) انتشى : سكر - الخلّة : الثلمة - تلافاها : تتلافاها : تتداركها . ( 2 ) الخضرم : الكريم الكثير العطاء .
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء — صفحة 687 | الراغب الأصفهاني / عمر فاروق طباع