فأحسن سياستهم فولّه الجند ، ومن كانت له ضيعة فأحسن تدبيرها فولّه الخراج .
قدم جماعة من فارس إلى المهديّ يشكون عاملهم ، فقالوا للوزير : وليت علينا رجلا إن كنت قد عرفته ووليته علينا فما خلق اللّه رعية أهون عليك منا ، وإن كنت لم تعرفه فما هذا جزاء الملك وقد سلّطك اللّه على سلطانه . فدخل الوزير على المهديّ فأخبره وخرج فقال : إن هذا رجل كان له علينا حق فكافأناه ، فقالوا : كان مكتوبا على باب كسرى العمل للكفاءة من العمّال ، وقضاء الحقوق على بيت المال ، فأمر بعزل ذلك العامل عنهم .
تفضيل الفاجر الكافي على الضّعيف التقيّ
قال عمر رضي اللّه عنه : أعضل « 1 » بي أهل الكوفة ، إذا ولّيت عليهم الفاجر القوي فجّروه ، وإذا وليت المؤمن الضعيف هجّنوه . فقال المغيرة المؤمن الضعيف له إيمانه وعليك ضعفه ، والفاجر القويّ لك قوّته وعليه فجوره . قال : صدقت وولاه الكوفة .
وكان يقول : أبدا أشكو إلى اللّه بلادة الأمين ويقظة الخائن .
وقدم أهل السوس « 2 » على المنصور يشكون عاملا ، فاستحضره واستخفّ به ، فقال :
القوم وأشدّ من الخيانة يا أمير المؤمنين . فاستوى جالسا ، وقال : ما هو ؟ قالوا : لم يسجد للّه سجدة قط ظاهرة منذ ولي السوس . فقال : ما أبالي أن لا يصلّي داخلا وخارجا ، إذا هو أدّى الأمانة .
تفويض الأمر إلى أهل الذمّة
ورد على عمر رضي اللّه عنه كتاب ، فقال لأبي موسى الأشعري : ادع كاتبك يقرأه على الناس ، فقال إنه نصراني لا يدخل المسجد . فقال استعملت على أمانة المسلمين نصرانيا ، فقال : يا أمير المؤمنين لنا أمانته وله ديانته . فقال : لا تقرّبوهم وقد أبعدهم اللّه ولا تؤمنوهم وقد خوّنهم اللّه .
وشكا رجل عاملا فقال : وضع واللّه الموحد ، ورفع الملحد أوحش المسجد وآنس البيعة .
تفويض الأمر إلى الكافي « 3 » وإن كان خائنا
قيل : فوّض الأمر إلى الكافي ، وإن كان خائنا ، فالمضيع شر من الخائن . لأن التضييع من طبع الجهل ، ولا حيلة في الجهل . والخيانة معصية وذنب ، ويمكن التوبة منه .
وقيل لا حاجة في الأحمق وإن كان أمينا .
هامش
( 1 ) أعضلوا به : لم يسلس له قيادهم .
( 2 ) السوس : بلدة في خوزستان ، فيها قبر النبيّ دانيال والسوس تعريب الشوش . ومعنى الكلمة الحسن والطيب ( معجم البلدان لياقوت الحموي ) .
( 3 ) الكافي : ذو الكفاية والمقدرة .