تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
يصلح لهم إلا هذا . ولو علموا ما لهم عندي ، لأخذوا ثوبي من عاتقي .

السياسة بالرّغبة والهيبة

كان أنوشروان يوقّع في عهود الولاة : سس خيار الناس بالمحبة ، وامزج للعامة الرهبة بالرغبة . وسس « 1 » السفلة بمجرد الهيبة . ولما وفد سعد العشيرة في مائة من أولاده على ملك حمير ، سأله عن صلاح الملك ، فقال : معدلة شائعة وهيبة وازعة « 2 » ، ورعية طائعة ففي المعدلة حياة الأنام ، وفي الهيبة نفي الظلام ، وفي طاعة الرعية حسن الإسلام . وقال زياد : ما غلبني معاوية في شيء من السياسات ، إلا في واحدة . استعملت رجلا على قرية فكسر خراجها ولحق بمعاوية . فكتبت إليه أن ابعثه إليّ ، فكتب ليس ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة . إذا وليت القطاة فحق أن لي الليانة ، لكن إذا هرب هارب من باب وجد بابا يدخله والسلام . وقال أنوشروان إن هذا الأمر لا يصح له إلا لين في غير ضعف وشدة في غير عنف « 3 » . ودخل أبو معاذ على المتوكل حين استخلف فأنشده :
إذا كنتم للنّاس أهل سياسة * فسوسوا كرام النّاس بالرفق والبذل وسوسوا لئام النّاس بالذلّ يصلحوا * على الذلّ ، إن الذل يصلح للنّذل

السياسة بالملاينة

أوصى عمر بن عبد العزيز واليا ، فقال : عليك بتقوى اللّه فإنها جماع الدنيا والآخرة . واجعل رعيتك الكبير منهم كالوالد ، والوسط كالأخ ، والصغير كالولد . فبرّ والدك وصل أخاك وتلطّف بولدك . وقال بعضهم : الحبس يحبس المال والقيد يقيّده ، والتسهيل يسهّله . فاستعمل الرفق يرج « 4 » مالك . ولّى أمير المؤمنين رجلا فقال : لا تضربنّ أحدا سوطا ولا تتبعنّ له رزقا ولا كسوة لشتاء أو صيف ، ولا دابة يعملون عليها . فقال : يا أمير المؤمنين إذا أرجع إليك كما ذهبت . فقال : وإن رجعت كما ذهبت . إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو .
هامش
( 1 ) سس : الأمر من ساس أي أدار الأمور ودبّر شؤون النّاس أو الرعيّة . ( 2 ) الوازعة : الرادعة . ( 3 ) استعمل زياد بن أبيه هذه العبارة في خطبته لما ولي البصرة ، إذ قال : إن هذا الأمر لا يصلح إلا كما صلح أوّله : لين في غير ضعف وشدّة في غير عنف موحيا بأنه سيكون على سنّة الراشدين حتى يكسب قلوب الضعفاء ، فيقوى بهم ليكسر شوكة المتمردين . ( 4 ) يرج : من الرواج وهو نقيض الكساد .