النهروان ، فلما دخلت عليه رأيته مغتمّا فقال : يا عمّ أما ترى هذا الباغي عليّ فقلت : دعه وبغيه ، فالبغي يردى صاحبه . فقال : فيم أداوي ما خامرني ؟ فقلت : تأمر باحضار أبي نواس فإنه فتّاح لهذه الأبواب ، فاستحضره وسأله فقال :
إذا ما ضاقك الغمّ * فضع في الرأس أقداحا « 1 »
فإنّ الهمّ إن طاحت * به مشمولة طاحا « 2 »
فدعا برطل وجارية تغني ، فسألها : ما اسمك ؟ قالت : شرّ ، وغنّت بقول الشاعر :
كليب لعمري كان أكبر ناصرا * وأكبر حزما منك ضرّج بالدم
فرمى بالرطل وأمر بالجارية فألقيت في دجلة ، ودعا أخرى فغنّت :
هموا غدروه كي يكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه « 3 »
فرمى بها أيضا ، ودعا بأخرى فغنّت بقول الشاعر :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر « 4 »
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر « 5 »
فاغتمّ اغتماما عظيما فتطلع على دجلة فإذا برجل يقرأ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان . فاستحكم تطيره . فقلت : يا أمير المؤمنين قد نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن التطير فقال :
هبني لا أتطير بالشعر أما أتفاءل بالقرآن فما انقضى الأسبوع إلا وقد نزلت به النازلة .
من رأى فأل سوء فصرفه إلى حسن بتأويله
خرج جعفر بن سليمان إلى المدينة واليا بها فتعلّقت شجرة بلوائه فتطيّر بذلك . فقال من كان معه : هذا عملك تشبّث بك فسرّي عنه .
وسار خالد بن يزيد إلى ولاية الموصل فانكسر اللواء فحزن لذلك ، فقال أبو الشّمقمق :
ما كان مندقّ اللواء لريبة * تخشى ولا أمر يكون مبدلا
لكنّ هذا الرمح ضعف متنه * صغر الولاية فاستقلّ الموصلا
هامش
( 1 ) ضمّ أقداحا : كناية عن الشرب أو الإدمان على الخمر .
( 2 ) طاحت به : طرحته - المشمولة : الخمر .
( 3 ) المرازب : جمع مرزبان وهو الرئيس عند الفرس .
( 4 ) الحجون : جبل بأعلى مكّة ، عنده مدافن أهلها وقيل هو الجبل بمكّة عند المحصّب ( معجم البلدان لياقوت ) - الصفا : أحد جبلين بين بطحاء مكّة والمسجد ، والآخر المروة والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الحج ( انظر معجم البلدان لياقوت ) .
( 5 ) الجدود : الحظوظ - العواثر : الجدّ العاثر السيئ .