الجواب : اعلم أن كل ما نهى اللّه عنه كبيرة ، فمن أتاها عمدا استحق عذاب اللّه جل اسمه ، وليس من معاصي اللّه سبحانه صغيرة . فأما ما وعد اللّه سبحانه من تكفير السيئات ، فليس من البشر إلا من قد أساء سواية ، أدناها الغفلة وافتقاد النفس من الزلة ، فإذا اجتنب العبد الكبائر ، غفر اللّه له وكفر عنه سيئاته المتقدمة ، فهذا جواب هذه المسألة .
و [ سألت ] عن معنى قول اللّه سبحانه :
إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 35 ) [ آل عمران : 35 ] ؟
الجواب : اعلم أن هذا خبر من اللّه جل اسمه عن امرأة عمران ، وما نذرت للّه مما في بطنها ، وكان مثل ذلك في ذلك الزمان يفعله الصالحون ، فكان ربما نذر أحدهما أن اللّه إن رزقه ولدا ذكرا ، لم يشغله بشغل من شغل الدنيا ، ولم يستعنه فيما يستعان الأولاد فيه ، ولم يصرف ذلك الولد في شيء من الأشياء ، إلا في عبادة اللّه ، وتعليم ما يدعو إلى طاعة اللّه ، فلما ولدت امرأة عمران بنتا ، قالت : ما حكى اللّه عنها :
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 36 ) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً
[ آل عمران : 36 - 37 ] ، وقبل جل اسمه ابنتها كما كان يقبل البنين ، وجعل فيها من البركة ما جعل في البنين ، وجعل ابنها نبيا من المرسلين ، صلوات اللّه عليهم من أهل بيت أجمعين .