ونكلؤهم بالغيب منّا حفيظة * وأكبادنا وجدا عليهم تضرّم
فليس بمحمود لدى النّاس من جزى * بسيّئ ما يأتي المسئ الملوّم « 1 »
سأحمل عن قومي جميع كلومهم * وأدفع عنهم كلّ غرم وأغرم
فصل في حفظ التجارب وغلبة العادة من أقوال الحكماء
قالت الحكماء : التجارب عقل ثان ، ودليل هاد ، وأدب للدهر . فافهم عن الأيّام أخبارها ، فقد أوضحت لك آثارها ، واتّعظ بما وعظك منها ، وتأمّل ما ورد عليك من أحوالها تأمّل ذي فكرة منها ؛ فان الفكرة تدرأ عنك عمى الغفلة ، وتكشف لك عن مستخفيات الأمور .
وقالوا : الدهر أفصح المؤدّبين ؛ وكفاك من كل يوم خبر يورده عليك . وإنما الأيام مراقي الأدب ، ودرجات إلى العلم الأكبر ، فمن فهم عنها أورث زيادة ، وسطع نور علمه ، ولم يفتقر إلى غير نفسه ، ولو صحب ذو الغفلة أيام الدنيا بعجائب ما تصرّفت به على القرون لم يزل جذعا في الغرّة ، ومتدّلها فيما يحدث ، لأن الغفلة ظلمة راكدة ، والمعرفة مصباح الخلقة .
وقد قيل : إذا رأيت ذا العمر الطويل والسنّ القديم يكثر التعجّب مما يرى ويسمع - : فذلك لقلة حفظة التجارب ، ولسهوه عمّا مرّت به عليه الليالي .
وقالوا : الفهم خزانة العقل ؛ ونور يبصر به ما أمامه . وإنما نكص على عقبيه من خانه فهمه ، وخذله عقله ، وضيّع ما استودعته الأيّام ، فكأنّه ابن يومه ،
هامش
( 1 ) في الأصلين « ما بات » والصواب ما أثبتناه . والأبيات في هذا الفصل صححها وشرحها أخي السيد محمود محمد شاكر .