خفّت منهما ، وتفارقت « 1 » لهما ، ثم رفعت يدي إلى الواحد ويدي الأخرى إلى الآخر ، فلما أخذاني جذبتهما جذبة واحدة فألقيتهما في الماء ، فما زلت أغطّ هذا مرة وهذا مرّة حتى قتلتهما . فخرجت ولبست سلاحي وركبت دابتي ولحقت أصحابي .
قلت : جرى مثل هذا بعسقلان ، لرجل من تباة « 2 » البلد ، يقال له « ابن الجلّنار » كان مشغوفا بالصيد بالبواشق « 3 » ، وكان مشهورا بالقوّة . فركب وخرج من عسقلان وعلى يده بأشق يتصيّد به في شجر الجمّيز ، فخرج عليه فارسان من العرب ، وقالا : انزل ، فنزل عن فرسه ، وقال لهما : لكما في هذا الطير حاجة ؟ قالا : لا . فشدّ الباشق على غصن شجرة ، ثم اختلفا على مهاميز حلي في رجليه ، فقال لهما : أنتما اثنان ، يأخذ كلّ واحد منكما فردة مهماز ، ومدّ رجليه لهما ، فجلسا يقلعان المهاميز من رجليه ، فمسك « 4 » رقبة ذا ، ورقبة ذا ، وضرب رأسيهما بعضهما « 5 » ببعض ، ولا يقدران على الخلاص من يده حتى قتلهما ، وأخذ خيلهما وسلاحهما وباشقه ودخل المدينة ! وقد كان عندنا بشيزر رجل يقال له « محمد [ بن ] « 6 » البشيبش « 7 » » كان يخدم جدّي « سديد الملك أبو الحسن « 8 » علي بن نصر بن منقذ « 9 » الكناني
هامش
( 1 ) بتقديم الفاء على القاف ، أي تظاهر بالفرق وهو الخوف .
( 2 ) رسمت الكلمة في الأصل « ساه » بدون نقط ، ولعلها « تباة » جمع « تاب » بوزن « غاز وغزاة » من قولهم « نبا إذا غزا وغنم وسبى » وهذا الفعل من باب « دعا » . وفي ح « من أعيان البلد »
( 3 ) في الأصلين « بالبواشيق » بزيادة الياء ، والصواب بحذفها بوزن « عساكر » كما في معيار اللغة ، ومفرده « بأشق » بفتح الشين ، وهو طائر من أصغر الجوارح يصاد به ، والكلمة معربة عن « باشه »
( 4 ) يقال :
« مسك بالشئ وأمسك ومسك بتشديد السين » كلها يتعدى بالحرف ولا يتعدى بنفسه .
( 5 ) في الأصل « بعضها » وهو خطأ
( 6 ) الزيادة من ح
( 7 ) لم نجد ضبطه ، وفي ح « البشيش » بحذف الباء قبل الشين الأخيرة .
( 8 ) كذا في الأصلين .
( 9 ) هو : علي بن مقلد - بتشديد اللام المفتوحة - بن نصر بن منقذ ، انظر الاعتبار للمؤلف ( ص 54 و 184 )