المحمود قول الشاعر :
طليق اللّه لم يمنن عليه * أبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجّاج عيني بنت ماء * تقلّب طرفها حذر الصقور
وهذا غاية في صفة الجبان ، ونصب عيني بنت ماء على الذم وتأويله أنه إذا قال : جاءني عبد اللّه الفاسق الخبيث . فليس يقول : إلا وقد عرفه بالخبث والفسق ، فنصبه بأعني وما أشبهه من الأفعال نحو أذكر ، وهذا أبلغ في الذم أن يقيم الصفة مقام الاسم .
وكذلك المدح . وقول اللّه تبارك وتعالى :
وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ
« 1 » . بعد قوله
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ
« 2 » إنما هو على هذا ، ومن زعم أنه أراد ومن المقيمين الصّلاة فمخطئ في قول البصريين لأنهم لا يعطفون الظاهر على المضمر المخفوض ، ومن أجازه من غيرهم فعلى قبح كالضرورة .
والقرآن إنما يحمل على أشرف المذاهب . وقرأ حمزة :
الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
« 3 » وهذا مما لا يجوز عندنا إلا أن يضطرّ إليه شاعر كما قال :
فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والأيام من عجب
وقرأ عيسى بن عمرو
امْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ
أراد وامرأته
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ
« 4 » فنصب حمّالة على الذم ، ومن قال : إن امرأته مرتفعة بقوله :
سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ
« 5 » فهو يجوز ، وليس بالوجه أن يعطف المظهر المرفوع على المضمر حتى يؤكّد نحو
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا
« 6 » و
اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
فأما قوله :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا
« 7 » فإنه لما طال
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآية رقم 162 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية رقم 7 .
( 3 ) سورة النساء : الآية 1 .
( 4 ) سورة المسد : الآية رقم 5 .
( 5 ) سورة المسد : الآية رقم 4 .
( 6 ) سورة المائدة : الآية رقم 24 .
( 7 ) سورة الأنعام : الآية رقم 148 .