تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكامل في اللغة والأدب — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
بالعود ، قال : فقدمت على الوليد بن يزيد وهو في مجلس ناهيك به مجلسا ، فألفيته على سريره وبين يديه معبد ومالك بن أبي السمح ، وابن عائشة ، وأبو كامل غزيّل الدمشقيّ ، فجعلوا يغنّون حتى بلغت النوبة إليّ فغنّيته :
سرى همّي « 1 » وهمّ المرء يسري * وغار النجم إلّا قيد فتر
أراقب في المجرّة كلّ نجم * تعرّض أو على المجراة يجزي
لهمّ ما أزال له قرينا * كأنّ القلب أبطن حرّ جمر
على بكر أخي فارقت بكرا * وأيّ العيش يصلح بعد بكر
فقال لي : أعد يا صام ، ففعلت ، فقال لي : من يقول هذا الشعر ؟ فقلت ، هذا بقوله عروة بن أذينة يرثي أخاه بكرا . فقال لي الوليد : وأي العيش يصلح بعد بكر . هذا العيش الذي نحن فيه واللّه قد تحجّر واسعا « 2 » على رغم أنفه . وحدّثت أن سكينة بنت الحسين أنشدت هذا الشعر : فقالت ومن بكر ؟ فوصف لها ، فقالت : أذاك الأسيّد الذي كان يمر بنا واللّه لقد طاب كلّ شيء بعد ذاك حتى الخبز والزيت . وروى أصحابنا أن يزيد بن عبد الملك - وأمّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية وإليها كان ينسب - قال يوما : يقال أن الدنيا لم تصف لأحد قطّ يوما ، فإذا خلوت هذا فاطووا عني الاخبار ودعوني ولذّتي وما خلوت له . ثم دعا بحبابة ، فقال : اسقيني وغنّيني فخلوا في أطيب عيش ، فتناولت حبابة حبّة رمّان فوضعها في فيها ، فغصّت بها فماتت ، فجزع يزيد جزعا أذهله ومنع من دفنها حتى قال له مشايخ بني أميّة ، إن هذا عيب لا يستقال وإنما هذه جيفة ، فأذن في دفنها وتبع جنازتها . فلما واراها قال : أمسيت واللّه فيك ، كما قال كثيّر :
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى * فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد
وكلّ خليل راءني فهو قائل * من اجلك هذا هامة اليوم أو غد
هامش
( 1 ) سرى همي : أي دب إلى نفسي كما يقال سرى مرق الشجر إذا دب تحت الأرض . ( 2 ) قد تحجر واسعا : أي ضيق على الناس وعلى نفسه .