44 - باب في الغناء عند العرب
قال أبو العباس : وحدّثت أن عمر الوادي قال : أقبلت من مكة أريد المدينة ، فجعلت أسير في صرد « 1 » من الأرض ، فسمعت غناء من القرار لم أسمع مثله ، فقلت : واللّه لأتوصّلنّ إليه ولو بذهاب نفسي . فانحدرت إليه ، فإذا عبد أسود ، فقلت له : أعد عليّ ما سمعت . فقال لي : واللّه لو كان عندي قرى أقريك ما فعلت ، ولكني أجعله قراك فإني ربما غنّيت هذا الصوت وأنا جائع فأشبع ، وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط ، وربما غنيته وأنا عطشان فأروى ، ثم انبرى يغنّيني :
وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها * أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات « 2 » البيض ودّ جليسها * إذا ما قضت أحدوثة لو تعيدها
( وبعده :
تحلّل أحقادي « 3 » إذا ما لقيتها * وتبقى بلا ذنب عليّ حقودها
وكيف يحبّ القلب من لا يحبّه * بلى قد تريد النفس من لا يريدها )
قال عمر : فحفظته عنه ثم تغنّيت به على الحالات التي وصف فإذا هو كما ذكر . وتحدّث الزبيريّون عن خالد صامة أنه كان من أحسن الناس ضربا
هامش
( 1 ) الصرد بالفتح المكان المرتفع في الأرض أو الجبال .
( 2 ) الخفرات : جمع خفرة وهي الحياء .
( 3 ) الأحقاد : جمع حقد وهو الانطواء على العداوة والبغضاء .