كثير عزه ينقد أشعار العرب
قال : وحدّثت أن كثيّرا دخل على عبد الملك بن مروان وعنده الأخطل ، فأنشده ، فالتفت عبد الملك إلى الأخطل فقال : كيف ترى ؟ فقال : حجازي مجوّع « 1 » مقرور ، دعني أضغمه « 2 » يا أمير المؤمنين . فقال كثير : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال له : هذا الأخطل . فقال له كثير : مهلا فهلا ضغمت الذي يقول :
لا تطلبنّ خئولة في تغلب * فالزنج أكرم منهم أخوالا
والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى * حكّ استه وتمثل الأمثالا
( أخوالا منصوب على الحال ، ومن زعم أنه تمييز فقد أخطأ ) فسكت الأخطل فما أجابه بحرف . قال أبو العباس : سمعت من ينشد هذا الشعر :
والتغلبيّ « 3 » إذا تنبّح للقرى « 4 » ، وهو أبلغ . قال : وخبّرت أن نصيبا نزل بامرأة تكنى أمّ حبيب من أهل ملل ، وكانت تضيف في ذلك الموضع وتقري ، ولا يزال الشريف قد نزل بها فأفضل عليها الفضل الكثير ، ولا يزال الشريف ممن لم يحلل بها يتناولها بالبرّ ليعينها على مروّتها ، فنزل بها نصيب ومعه رجلان من قريش ، فلما أرادوا الرحلة عنها ووصلها القرشيّان ، وكان نصيب لا مال معه في ذلك الوقت . فقال لها : إن شئت فلك أن أوجّه إليك بمثل ما أعطاك أحدهما ، وإن شئت قلت فيك شعرا . فغزلت أمّ حبيب ( أي مالت إلى أن يتغزل بها ) فقالت : بل الشعر . فقال :
ألا حيّ قبل البين أمّ حبيب * وإن لم تكن منا غدا بقريب
هامش
( 1 ) المجوع : الذي اضطر إلى الجوع .
( 2 ) الضغم : العض الشديد .
( 3 ) التغلبي : هذا البيت لجرير ويؤخذ مثالا على شدة نفوذ هجاء جرير للأخطل وإقذاعه .
( 4 ) تنبح للقرى : أي استنبح الأضياف كلا بهم للقرى .