أفما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك قبل ؟ واللّه لأقتلنّك ، يا حرسيّ اضرب عنقه . ونظر الحجاج فإذا جلّ من خرج مع عبد الرحمن من الفقهاء وغيرهم من الموالي ، فأحب أن يزيلهم عن موضع الفصاحة والآداب ، ويخلطهم بأهل القرى والأنباط . فقال : إنما الموالي علوج ، وإنما أتي بهم من القرى ، فقراهم أولى بهم . فأمر بتسييرهم من الأمصار وإقرار العرب بها ، وأمر بأن ينقش على يد كل إنسان منهم اسم قريته . وطالت ولايته فتوالد القوم هناك ، فخبثت لغات أولادهم ، وفسدت طبائعهم . فلما قام سليمان بن عبد الملك أخرج من كان في سجن الحجّاج من المظلومين . فيقال أنه أخرج في يوم واحد ثمانين ألفا ، وردّ المنقوشين فرجعوا في صورة الأنباط . ففي ذلك يقول الراجز :
جارية لم تدر ما سوق الإبل * أخرجها الحجّاج من كنّ « 1 » وظل
لو كان بدر حاضرا وابن حمل * ما نقشت كفّاك في جلد جلل
وقال شاعر لأهل الكوفة ، لما استقضي عليها نوح بن درّاج ( ينسب للفرزدق ) :
يا أيها الناس قد قامت قيامتكم * إذ صار قاضيكم نوح بن درّاج
لو كان حيّا له الحجّاج ما سلمت * كفّاه ناجية من نقش حجّاج
ويروى عن حسّان المعروف بالنبطيّ صاحب منارة حسّان في البطيحة ، قال : أريت الحجّاج في ما يرى النائم ، فقلت : أصلح اللّه الأمير ، ما صنع اللّه بك ؟ فقال : يا نبطيّ أهذا عليك « 2 » ؟ قال : فرأيتنا لا نفلت من نقشه في الحياة ، ومن شتمه بعد الوفاة ، ويروى عن حسّان أنه قصّ هذه الرؤيا على محمد بن سيرين ، فقال له ابن سيرين : لقد رأيت الحجاج بالصحة .
قال أبو العباس : وحدّثت من ناحية الزبيريّين : أن الجحّاف بن حكيم
هامش
( 1 ) الكن : بالكسر وفاء كل شيء وستره .
( 2 ) هذا عليك : ينكر عليه هذا السؤال ويستعظمه منه .