وبلغ الخبر زيادا فطلبه فهرب الفرزدق ، وله في هربه حديث طويل ، واستجارته بسعيد بن العاص بالمدينة نذكر ما بعد هذا إن شاء اللّه . فممّن استجار بقبر غالب فأجاره الفرزدق امرأة من بني جعفر بن كلاب خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر بن كلاب أن يسمّيها ويسبّها ، فعاذت بقبر أبيه فلم يذكر لها اسما ولا نسبا ولكن قال في كلمته التي يهجو فيها بني جعفر بن كلاب :
عجوز تصلي الخمس عاذت بغالب * فلا والذي عاذت به لا أضيرها
ومن ذلك أن الحجاج لما ولى تميم بن زيد القينيّ السند دخل البصرة فجعل يخرج من أهلها من شاء فجاءت عجوز إلى الفرزدق فقالت : إني استجرت بقبر أبيك وأنت منه بحصيات . فقال لها : وما شأنك ؟ فقالت : إن تميم بن زيد خرج بابن لي معه ولا قرّة لعيني ولا كاسب لي غيره ، فقال لها :
وما اسم ابنك ؟ فقالت خنيس فكتب إلى تميم بن زيد مع بعض من شخص :
تميم بن زيد لا تكوننّ « 1 » حاجتي * بظهر فلا يعيا عليّ جوابها
وهب لي خنيسا واحتسب فيه منّة * لعبرة أمّ ما يسوغ شاربها
أتتني فعاذت يا تميم بغالب * بالحفرة السافي عليها ترابها
وقد علم الأقوام أنك ماجد * وليث إذا ما الحرب شبّ شهابها
فلما ورد الكتاب على تميم تشكّك في الاسم فقال : أحبيش أم خنيس ؟
ثم قال انظروا من له مثل هذا الاسم في عسكرنا فأصيب ستة ما بين حبيش وخنيس ، فوجّه بهم إليه ومنهم مكاتب لبني منقر ظلع « 2 » بمكاتبته ، فأتى قبر غالب فاستجار به وأخذ منه حصيات فشدّهنّ في عمامته ، ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره وقال أني قد قلت شعرا . فقال : هاته فقال :
هامش
( 1 ) لا تكونن حاجتي : بظهر يريد لا تجعلها وراء ظهرك ولكن أجعلها نصب عينيك حتى لا عجز عن جوابها .
( 2 ) ظلع : أي ضعف .