ثم قال : أما واللّه لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع « 1 » ، وعارضها قد لمع « 2 » ، وكأني بالوعيد قد وقع ، فأقلع عن براجم « 3 » بلا معاصم ، وجماجم بلا غلاصم « 4 » ، فمهلا مهلا ؛ فبي واللّه يسهل لكم الوعر ، ويصفو لكم الكدر ، وألقت إليكم الأمور مقاليد أزمّتها ، فالتدارك التدارك قبل حلول داهية ، خبوط باليد لبوط بالرّجل .
قال عبد الملك : أفذّا « 5 » ما تكلمت أم توأما يا أمير المؤمنين ؟ قال : بل فذّا .
قال : اتق اللّه في ذي رحمك وفي رعيّتك التي استرعاك اللّه ، ولا تجعل الكفر مكان الشكر ، ولا العقاب موضع الثواب ؛ فقد محضت لك النصيحة وأديت لك الطاعة ، وشددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم « 6 » ، وتركت عدوّك سبيلا تتعاوره « 7 » الأقدام ، فاللّه اللّه في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن وصلته ؛ إنّ الكتاب لنميمة واش وبغي باغ ؛ ينهش اللحم ، ويلغ « 8 » في الدم ، فكم ليل تمام فيك كابدته ، ومقام ضيق فرّجته ، وكنت كما قال الشاعر أخو بني كلاب :
ومقام ضيّق فرّجته * بلساني ومقامي وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله * زلّ عن مثل مقامي وزحل
فرضي عنه ورحّب به ، وقال وريت بك زنادي .
الرشيد وعبد الملك بن صالح :
والتفت الرشيد يوما إلى عبد الملك بن صالح فقال : أكفرا بالنعمة ، وغدرا بالإمام ؟
هامش
( 1 ) الشؤبوب : الدفعة من المطر ، وهمع : سقط .
( 2 ) العارض : السّحاب المصحوب بالبرق .
( 3 ) البراجم : مفاصل الأصابع .
( 4 ) الغلاصم : جمع غلصمة ، وهي رأس الحلقوم وهي الموضع الناتئ في الحلق .
( 5 ) الفذّ : الفرد .
( 6 ) يلملم : جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث .
( 7 ) تتعاوره : تدوسه .
( 8 ) يلغ : ولغ الكلب من الإناء ، أي شرب منه .