تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وعهد إليّ ما عهد ؟ قال : أنشدك اللّه ، ألم يكن آخر ما قال لك أن أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال : أطع أباك ؟ قال : اللهم بلى . قال : فإني أعزم عليك فلتخرج فتقاتل ، قال : فخرج فقاتل متقلّدا بسيفين .

القول في القدر

لمحمد بن المنكدر :

أتى قوم من أهل القدر محمد بن المنكدر ، فقالوا له : أنت الذي تقول إن اللّه يعذّب الخلق على ما قدّر عليهم ؟ فصرف وجهه عنهم ولم يجبهم ، فقالوا له : أصلحك اللّه ! إن كنت لا تجيبنا فلا تخلنا من بركة دعائك ؛ فقال : اللهم لا تردنا بعقوبتك ، ولا تمكر بنا في حيلتك ، ولا تؤاخذنا بتقصيرنا عن رضاك ، قليل أعمالنا تقبل ، وعظيم خطايانا تغفر ، أنت اللّه الذ لم يكن شيء قبلك ، ولا يكون شيء بعدك ، ولي الأشياء ، ترفع بالهدى من تشاء ، لا من أحسن استغنى عن عونك ، ولا من أساء غلبك ، ولا استبدّ شيء عن حكومتك وقدرتك ، لا ملجأ إلا إليك ؛ فكيف لنا بالمغفرة وليست إلا في يديك ؟ وكيف لنا بالرحمة وليست إلا عندك ؟ حفيظ لا ينسى ، وقديم لا يبلى ، حيّ لا يموت ؛ بك عرفناك ، وبك اهتدينا إليك ، ولولا أنت لم ندر ما أنت ، سبحانك وتعاليت . فقال القوم : قد واللّه أخبر وما قصّر . وقال : ذكر القدر في مجلس الحسن البصري ، فقال : إنّ اللّه خلق الخلق للابتلاء ، لم يطيعوه بإكراه ، ولم يعصوه بغلبة ، لم يهملهم من الملك ، وهو القادر على ما أقدرهم عليه ، والمالك لما ملّكهم إياه ، فإن يأتمر العباد بطاعة اللّه لم يكن مثبّطا لهم « 1 » . بل يزيدهم هدى إلى هداهم ، وتقوى إلى تقواهم ؛ وإن يأتمروا بمعصية اللّه كان اللّه قادرا على صرفهم إن شاء ، وإن خلّى بينهم وبين المعصية فمن بعد إعذار وإنذار .
هامش
( 1 ) مثبّطا : مقلّلا من عزيمتهم .