تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
وأقبض وأبسط ؟ قال له علي : إنك بعد في المشيئة أما إني أسألك عن ثلاث ، فإن قلت في واحدة منهن : لا ، كفرت ؛ وإن قلت : نعم ، فأنت أنت . فمدّ القوم أعناقهم ليسمعوا ما يقول ؛ فقال له علي : أخبرني عنك ، أخلقك اللّه كما شئت أو كما شاء ؟ قال : بل كما شاء . قال : فخلقك اللّه لما شئت أو لما شاء ؟ قال : بل لما شاء . قال فيوم القيامة تأتيه بما شئت أو بما شاء ؟ قال : بل بما شاء ، قال : قم فلا مشيئة لك .

هشام وغيلان والأوزاعي :

قال هشام بن محمد السائب الكلبي : كان هشام بن عبد اللّه قد أنكر على غيلان التكلم في القدر ، وتقدّم إليه في ذلك أشدّ التقدم ، وقال له في بعض ما توعّده به من الكلام : ما أحسبك تنتهي حتى تنزل بك دعوة عمر بن عبد العزيز إذ احتجّ عليك في المشيئة بقول اللّه عز وجل :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 1 » فزعمت أنك لم تلق لها بالا . فقال عمر : اللهم إن كان كاذبا فاقطع يده ورجله ولسانه ، واضرب عنقه . فانته أولى لك ، ودع عنك ما ضرّه إليك أقرب من نفعه . فقال له غيلان ، لحينه وشقوته : ابعث إليّ يا أمير المؤمنين من يكلمني ويحتجّ عليّ ، فإن أخذته حجتي أمسكت عني فلا سبيل لك إليّ ، وإن أخذتني حجته فسألتك بالذي أكرمك بالخلافة إلا نفّذت فيّ ما دعا به عمر عليّ . فغاظ قوله هشاما . فبعث إلى الأوزاعي فحكى له ما قال لغيلان وما ردّ غيلان عليه ؛ فالتفت إليه الأوزاعي فقال له : أسألك عن خمس أو ثلاث ؟ فقال غيلان ؛ عن ثلاث . قال الأوزاعي : هل علمت أن اللّه أعان على ما حرّم ؟ قال غيلان : ما علمت وعظمت عنده . قال : فهل علمت أن اللّه قضى على ما نهى ؟ قال غيلان : هذه أعظم ، ما لي بهذا من علم . قال : فهل علمت أن اللّه حال دون ما أمر ؟ قال غيلان : حال دون ما أمر ؟ ما علمت . قال الأوزاعي : هذا مرتاب من أهل الزّيغ . فأمر هشام بقطع يده ورجله ، ثم ألقى به في الكناسة . فاحتوشه « 2 » الناس يعجبون من عظيم ما أنزل اللّه به من نقمته . ثم أقبل رجل كان كثيرا ما ينكر عليه
هامش
( 1 ) سورة الإنسان الآية 30 . ( 2 ) احتوشه الناس : أي جعلوه وسطهم .