تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
وكانت امرأته تلطف برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : كيف أنت يا أم عبد اللّه ؟ قالت : كيف أكون وعبد اللّه بن عمرو رجل قد تخلّى من الدنيا ! قال لها . كيف ذلك ؟ قالت : حرّم النوم فلا ينام ، ولا يفطر ، ولا يطعم اللحم ، ولا يؤدّي إلى أهله حقّهم . قال : فأين هو ؟ قالت : خرج ويوشك أن يرجع الساعة . قال : فإذا رجع فاحبسيه عليّ . فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وجاء عبد اللّه وأوشك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الرّجعة ، فقال يا عبد اللّه بن عمرو ، ما هذا الذي بلغني عنك أنك لا تنام . قال : وما ذاك يا رسول اللّه ؟ قال : بلغني أنك لا تنام ولا تفطر . قال : أردت بذلك الأمن من الفزع الأكبر . قال : وبلغني أنك لا تطعم اللحم . قال : أردت بذلك ما هو خير منه في الجنة ؟ قال : وبلغني أنك لا تؤدّي إلى أهلك حقّهم . قال : أردت بذلك نساء هنّ خير منهن . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : يا عبد اللّه بن عمرو ، إن لك في رسول اللّه أسوة حسنة ؛ فرسول اللّه يصوم ويفطر ، ويأكل اللحم ، ويؤدّي إلى أهله حقوقهم . يا عبد اللّه بن عمرو ، إن للّه عليك حقا ، وإن لبدنك عليك حقا ، وإن لأهلك عليك حقا . فقال : يا رسول اللّه ، ما تأمرني أن أصوم ؟ خمسة أيام وأفطر يوما ؟ قال : لا . قال : فأصوم أربعة وأفطر يوما ؟ قال : لا . قال : فأصوم ثلاثة وأفطر يوما ؟ قال : لا . قال : فيومين وأفطر يوما ؟ قال : لا . قال : فيوما ؟ قال : ذلك صيام أخي داود . يا عبد اللّه بن عمرو ؛ كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت « 1 » عهودهم ومواثيقهم فكانوا هكذا ؟ وخالف بين أصابعه . قال : فما تأمرني به يا رسول اللّه ؟ قال : تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر ، وتعمل بخاصة نفسك ، وتدع الناس وعوام أمرهم . قال : ثم أخذ بيده وجعل يمشي به حتى وضع يده في يد أبيه ، وقال له : أطع أباك . فلما كان يوم صفّين قال له أبوه عمرو بن العاص : يا عبد اللّه ، اخرج فقاتل . فقال : يا أبتاه ، أتأمرني أن أخرج فأقاتل وقد سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما سمعت
هامش
( 1 ) مرجت : فسدت .