تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
قليل الحركات ، حسن الإشارات ، حلو الشمائل ، كثير الطّلاوة ، صموتا قئولا ، يهنأ الجرب ، ويداوي الدّبر « 1 » ، ويقلّ المحزّ ، ويطبّق المفصل . لم يكن بالزّمر « 2 » في مروءته ، ولا بالهذر « 3 » في منطقه ، متبوعا غير تابع .
كأنه علم في رأسه نار « 4 »

الرشيد وسهل بن هارون :

دخل سهل بن هارون على الرشيد ، فوجده يضاحك ابنه المأمون ، فقال : اللهم زده من الخيرات ، وابسط له في البركات ، حتى يكون كلّ يوم من أيامه موفيا على أمسه ، مقصّرا عن غده . فقال له الرشيد : يا سهل ، من روى من الشعر أحسنه وأجوده ، ومن الحديث أصحّه وأبلغه ، ومن البيان أفصحه وأوضحه ، إذا رام أن يقول لم يعجزه ؟ قال سهل : يا أمير المؤمنين ، ما ظننت أحدا تقدّمني سبقني إلى هذا المعنى . فقال : بل أعشى همدان حيث يقول :
وجدتك أمس خير بني لؤيّ * وأنت اليوم خير منك أمس وأنت غدا تزيد الخير ضعفا * كذاك تزيد سادة عبد شمس

المأمون وسهل ابن هارون :

وكان المأمون قد استثقل سهل بن هارون ، فدخل عليه يوما والناس عنده على منازلهم ، فتكلم المأمون بكلام ذهب فيه كل مذهب ، فلما فرغ أقبل سهل بن هارون على ذلك الجمع فقال : مالكم تسمعون ولا تعون ، وتفهمون ولا تعجبون ، وتعجبون ولا تصفون ؟ أما واللّه إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير مثل ما قالت وفعلت بنو مروان في الدهر الطويل ، عربكم كعجمهم ، وعجمهم كعرب بني تميم ؛ ولكن كيف يشعر بالدواء من لا يعرف الداء ؟ قال : فرجع له المأمون إلى رأيه الأول .
هامش
( 1 ) الدّبر : جمع دبرة وهي قرحة الدابة . ( 2 ) الزّمر : قليل المروءة . ( 3 ) الهذر : الثرثار الهاذي . ( 4 ) وصدره : « وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به » والبيت للخنساء في رثاء أخيها صخر .