العدواني ، وحممة بن رافع الدّوسي - ويزعم النّسّاب أن ليلى بنت الظّرب أم دوس ، وزينب بنت الظرب أمّ ثقيف - عند ملك من ملوك حمير ، فقال : تساءلا حتى أسمع ما تقولان . فقال عمرو لحممة : أين تحبّ أن تكون أياديك ؟ قال : عند ذي الرّثية العديم ، وعند ذي الخلّة الكريم ، والمعسر الغريم ، والمستضعف الهضيم . قال : من أحقّ الناس بالمقت « 1 » ؟ قال : الفقير المختال ، والضعيف الصّوّال ، والعيّ القوّال . قال : فمن أحقّ الناس بالمنع ؟ قال : الحريص الكاند ، والمستميد الحاسد ، والملحف الواجد « 2 » .
قال : من أجدر الناس بالصنيعة ؟ قال : من إذا أعطي شكر ، وإذا منع عذر ، وإذا مطل صبر ، وإذا قدم العهد ذكر . قال : من أكرم الناس عشرة ؟ قال : من إذا قرب منح ، وإذا بعد مدح وإذا ظلم صفح ، وإذا ضويق سمح . قال : من ألأم الناس ؟
قال : من إذا سأل خضع ، وإذا سئل منع ، وإذا ملك كنع ، ظاهره جشع ، وباطنه طبع . قال : فمن أحلم الناس ؟ قال : من عفا إذا قدر ، وأجمل إذا انتصر ، ولم تطغه عزة الظّفر : قال : فمن أحزم الناس ؟ قال : من أخذ رقاب الأمور بيديه ، وجعل العواقب نصب عينيه ، ونبذ التهيّب دبر أذنيه « 3 » . قال : فمن أخرق الناس ؟ قال : من ركب الخطار ، واعتسف العثار « 4 » ، وأسرع في البدار « 5 » قبل الاقتدار . قال : من أجود الناس ؟ قال : من بذل الموجود ، ولم يأس على المعهود . قال : من أبلغ الناس ؟
قال : من جلّى المعنى المزيز باللفظ الوجيز ، وطبّق المفصل قبل التحزيز . قال : من أنعم الناس عيشا ؟ قال : من تحلّى بالعفاف ، ورضي بالكفاف ، وتجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف . قال : فمن أشقى الناس ؟ قال : من حسد على النّعم ، وسخط على القسم ، واستشعر النّدم ، على فوت ما لم يحتم . قال : من أغنى الناس ، قال : من استشعر اليأس ، وأظهر التجمّل للناس ، واستكثر قليل النعم ، ولم يسخط على القسم .
قال : فمن أحكم الناس ؟ قال : من صمت فادّكر ، ونظر فاعتبر ، ووعظ فازدجر .
قال : من أجهل الناس ؟ قال : من رأى الخرق مغنما ، والتجاوز مغرما .
هامش
( 1 ) المقت : البغض .
( 2 ) الواجد : الحاقد والغاضب .
( 3 ) دبر أذنيه : خلفهما ، أي لم يع النصيحة والرأي .
( 4 ) اعتسف العثار : ركب الزلل .
( 5 ) البدار : المقابلة والشروع بالشيء .