ولده ، يسعى لهم صغارا ، ويعلمهم كبارا ، يكتسب لهم في حياته ، ويدخر لهم بعد مماته . والإمام العادل يا أمير المؤمنين ، كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها ، حملته كرها ووضعته كرها ، وربّته طفلا ، تسهر بسهره ، وتسكن بسكونه ، ترضعه تارة وتفطمه أخرى ، وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته . والإمام العادل يا أمير المؤمنين ، وصيّ اليتامى ، وخازن المساكين ، يربّي صغيرهم ، ويمون كبيرهم . والإمام العادل يا أمير المؤمنين ، كالقلب بين الجوارح : تصلح الجوارح بصلاحه وتفسد بفساده . والإمام العادل يا أمير المؤمنين ، هو القائم بين اللّه وبين عباده ، يسمع كلام اللّه ويسمعهم ، وينظر إلى اللّه ويريهم ، وينقاد إلى اللّه ويقودهم . فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملّكك اللّه عز وجل كعبد ائتمنه سيّده واستحفظه ماله وعياله ، فبدّد المال ، وشرّد العيال ، فأفقر أهله وفرّق ماله .
واعلم يا أمير المؤمنين أن اللّه أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها ؟ وأن اللّه أنزل القصاص حياة لعباده ، فكيف إذا قتلهم من يقتصّ لهم ؟ واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده ، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه ؛ فتزوّد له ولما بعده من الفزع الأكبر .
واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه ، يطول فيه ثواؤك ، ويفارقك أحبّاؤك ، يسلمونك في قعره فريدا وحيدا . فتزوّد له ما يصحبك
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
« 1 » .
واذكر يا أمير المؤمنين
إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ
« 2 » فالأسرار ظاهرة ، والكتاب
لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
« 3 » .
فالآن يا أمير المؤمنين ، وأنت في مهل ، قبل حلول الأجل ، وانقطاع الأمل ، لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد اللّه بحكم الجاهلين ، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا
هامش
( 1 ) سورة عبس الآية 34 و 35 و 36 .
( 2 ) سورة العاديات الآية 9 و 10 .
( 3 ) سورة الكهف الآية 49 .