تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الظرف والظرفاء — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
وهذا الباب قد ذكرته على جملته في كتاب « نظام التاج في صفة الأنوك المرزوق والظّريف المحتاج » وجعلنا جملة ما مرّ في كتابنا نصفة بيننا وبين من زعم أن الأمر ليس كذلك . [ 159 ] والذي زعم أنه لا يكون للفقير ظرف قد تجاوز في الجهالة والسّخف . بلى إن الظّرف بذي التقلّل مليح ، ولكنّ الهوى والعشق بهم قبيح . وذلك أن الفقير إن طلب لم ينل ، وإن رام بلوغا لم يصل ، وإن استوصل لم يوصل . فهو كمد القلب ، عازب اللّبّ ، حزين النّفس ، ميّت الحسّ ، ذاهل العقل ، بعيد الوصل . فتركه التعرّض لما لا يقدر على بلوغ إتمامه أولى من تلبّسه بما يزيده في اغتمامه . وقد يجوز أن يكون ظريفا بغير عشق ، كما كان عاشقا بغير فسق ، لأنّه لا تهيّأ له إقامة حدود العشق والظرف بلباقته ، ونظافته ، وتخلّقه ، وتملّقه ، ومداراته ، ومساعدته . ولا يتهيّأ له القيام بحدود العشق إذ لا مال له فيعينه على هواه ، ولا مقدرة له فتبلغه رضاه . وإن بلي بمن يستهديه ويستكسبه ويطلب برّه ، ويريد فضله ، وهو لا يقدر على ذلك فهي الطامّة الكبرى ، والمصيبة العظمى ، والحسرة التي تبقى ، والكمد الذي لا يفنى . فليتحرّز الأديب من الهوى قبل وقوعه في العطب ، وليتحفّظ منه قبل طلبه التخلّص من شركه ، فلا يقدر على الهرب . وقلّ من رأيت وقع في هوى فنجا من غلّه ، أو أمكنه التخلّص من حبله . ولن يقدر على التخصّ من الهوى بعد الوقوع في درك البلا ، إلا مالك لقلبه ، مانع لغربه ، حازم في فعله ، جامع لعقله . فإنّ الأديب إذا كان بهذه الصفة ، ورأى آيات الملل ، وعلامات الذّلّ وامارات الغدر ، ودلالات العجز ، بادر فريسته ، وتخلّص مهجته ، وزجر قلبه ، وصرف حبّه ، ولم يقم على طول الجفاء ، ولم يعرّض نفسه لطول البلاء ، ولم يستعبدها بالتذلّل ، والخشوع ، والتضرّع ، ولكنّه يصرفها صرف مقتدر عيوف ، ويمنعها منع مالك عزوف . وقد شرحت لك ما قيل في المصارمة بابا لتقف عليه ، ويبين لك صحة ما فيه ؛ إن شاء اللّه ، ولا قوة إلا باللّه .