وأنشد قول عروة بن الورد « 2 » : [ من الوافر ]
ذريني للغنى أسعى فإني * رأيت الناس شرّهم الفقير « 3 »
وأحقرهم ، وأهونهم عليهم ، * وإن أمسى له كرم وخير
يباعده الدنيّ وتزدريه * حليلته ، وينهره الصّغير
وقد أخطأ العائب لهم في مقاله ، وتكسّع في حيرته وضلالته ، لأن عروة لم يذهب إلى ثلب الأدباء ، ولا إلى تعنيف الظّرفاء ، وإنما عنّف على طول الإهمال ، وحثّ على تكسّب الأموال ، وهذا مثل قول الآخر « 4 » : [ من الطويل ]
لعمرك ! إنّ المال قد يجعل الفتى * سنيا ، وإنّ الفقر بالحرّ قد يزري
وما رفع النفس الدّنيّة كالغنى ، * ولا وضع النفس الكريمة كالفقر
ومثل ذلك قول الأخر « 5 » : [ من البسيط ]
الفقر يزري بأقوام ذوي حسب ، * وقد يسوّد غير السّيّد المال
وكقول الآخر « 6 » : [ من الطويل ]
أجلّك قوم حين صرت إلى الغنى ، * وكلّ غنيّ في العيون جليل
إذا مالت الدّنيا إلى المرء حوّلت * إليه ، ومال الناس حيث تميل
فهؤلاء لم يذهبوا إلى تفنيد المتظرّفين ، ولا الطّعن على المتفنّين ، وكيف ، والتّظرّف بهم أليق ، وسمة الظّرف عليهم أصدق ؟ .
هامش
( 2 ) عروة بن الورد ( توفي نحو 30 ق . ه / 594 م ) : من غطفان ، من شعراء الجاهلية وفرسانها وأجوادها .
كان يلقب بعروة الصعاليك لجمعه لهم وقيامه بأمرهم إذا اخفقوا في غزواتهم . ( الأعلام 4 : 227 جمهرة اشعار العرب 450 ) .
( 3 ) الأبيات في ديوانه 44 وفي بهجة المجالس 1 : 208 وفي الأبيات اختلاف يسير .
( 4 ) البيتان في روضة العقلاء 226 وفي بهجة المجالس 1 : 209 دون نسبة ، وفي المستطرف 2 : 48 وفي بهجة المجالس وردت سنيا عوضا عن نسيبا وهو ما أثبتناه .
( 5 ) البيت في بهجة المجالس 1 : 196 منسوب لعمار الكلبي وفي المستطرف 2 : 48 دون نسبة .
( 6 ) البيتان في بهجة المجالس 1 : 210 منسوبان لأبي العتاهية . والأول في شرح حماسة أبي تمام 4 : 95 دون نسبة ، وفي العقد الفريد 3 : 30 دون نسبة .