من كان أمّهاتي باكيا لغد ، * فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا
تسمّعيه ، فإني غير سامعه ، * إذا علوت رقاب القوم معروضا
فقلت : أنت عروة بن حزام ؟ قال : نعم ، أنا الذي أقول « 4 » : [ من الطويل ]
جعلت لعرّاف اليمامة حكمه ، * وعرّاف نجد إن هما شفياني « 5 »
فقالا : نعم تشفى من الداء كلّه ، * وقاما مع العوّاد يبتدران
فما تركا من سلوة يعلمانها ، * ولا شربة إلّا بها سقياني « 6 »
فقالا : شفاك اللّه ، واللّه ما لنا ، * بما حملت منك الضّلوع ، يدان
فلهفي على عفراء لهفا كأنّه * على النّحر والأحشاء حدّ سنان
فعفراء أحظى الناس عندي مودّة ، * وعفراء عني المعرض المتواني
ثم خفق خفقة ، فتوهّمت أنها غشية ، فتنحّيت عنه ودنت العجوز منه ، فما برحت حتى سمعت الصّيحة ، فإذا هو قد فارق الدنيا
« [ 113 ] » [ مجنون ليلى ]
وبلغ العشق أيضا من مجنون بني عامر أن أخرجه إلى الوسواس والهيمان ، وذهاب العقل وكثرة الهذيان ، وهبوط الأودية ، وصعود الجبال ، والوطء على العوسج وحرارة الرّمال ، وتمزيق الثّياب ، واللّعب بالتّراب ، والرّمي بالأحجار ، والتفرّد بالصّحارى والاستيحاش من الناس ، والاستئناس بالوحش حتى كان لا يعقل عقلا . فإذا ذكرت ليلى ثاب إليه عقله ، وأفاق من غشيته وتجلّت عنه غمرته ، وحدّثهم عنها أصحّ الرجال عقلا ، وأخلصهم ذهنا ، لا ينكرون من
هامش
( 4 ) الأبيات في مجالس ثعلب 241 وفي الحماسة البصرية 2 : 167 وفي تزيين الأسواق 135 لعروة ، وفي الأغاني 23 : 156 .
( 5 ) عراف اليمامة هو رياح بن كحلة أو عجلة ، وعراف نجد هو الأبلق الأسدي ( الحيوان 6 : 204 ، ثمار القلوب 105 ) .
( 6 ) سلوة بفتح السين وسلوانة بضمها : خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربه العاشق سلا .
فذلك الماء هو السلوة والسلوان .
( [ 113 ] ) . . .