تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣

الصنف السابع والعشرون في الإلهاب والتهييج

والإلهاب « إفعال » من قولهم ألهب النار إذا أسعرها حتى التهبت وطال لهبها ، والتهييج « تفعيل » من قولهم هاجت الحرب إذا ثارت ، هذا معناهما في اللغة ، وأما في مصطلح علماء البلاغة فهما مقولان على كل كلام دال على الحث على الفعل لمن لا يتصور منه تركه وعلى ترك الفعل لمن لا يتصور منه فعله ، ولكن يكون صدور الأمر والنهى ممن هذه حاله على جهة الإلهاب والتهييج له على الفعل أو الكف لا غير ، فالأمر مثاله قوله تعالى :
فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 2 )
[ الزمر : 2 ] وقوله تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
[ الروم : 30 ] وقوله تعالى :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[ هود : 112 ] والمعلوم من حاله عليه السلام أنه حاصل على هذه الأمور كلها من عبادة الله تعالى وإقامة وجهه للدين والاستقامة على الدعاء إليه لا يفتر عن ذلك ولا يتصور منه خلافها ، لأن خلافها معصوم منه الأنبياء ، فلا يمكن تصوره من جهتهم بحال ، ولكن ورودها على هذه الأوامر إنما كان على جهة الحث له بهذه الأوامر وأمثالها ، وكذلك ورد في المناهى كقوله تعالى :
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 )
[ الأنعام : 35 ] وقوله تعالى :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 )
[ الزمر : 65 ] وحاشاه أن يكون جاهلا ، أو أن يفعل أفعال السفهاء والجهال ، وأنى يخطر بباله الشرك بالله وهو أول من دعا إلى عبادته وحث عليها ، وهكذا القول فيما كان واردا في الأوامر والنواهي له عليه السلام ، فإنما كان على جهة الإلهاب على فعل الأوامر ، والانكفاف عن المناهى والتهييج لداعيته ، وحثا له على ذلك ، فالأمر في حقه على تحصيل الفعل ، والكف عن المناهى فيما كان يعلم وجوبه عليه ويتحقق الانكفاف عنه ، إنما هو على جهة التأكيد والحث بالتهييج والإلهاب ، فهذان نوعان من الكلام يردان في الكلام الفصيح والخطب البالغة ، ولولا موقعهما في البلاغة أحسن موقع ، لما وردا في كتاب الله تعالى الذي أعجز الثقلين الإتيان بمثله أو بأقصر سورة من سوره .