تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١

الصنف السادس والعشرون في التهكم

وهو تفعل من قولهم تهكّمت البئر ، إذا تساقطت جوانبها ، وهو عبارة عن شدة الغضب لأن الإنسان إذا اشتد غضبه فإنه يخرج عن حد الاستقامة وتتغير أحواله ، وفي الحديث عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « اتقوا الغضب فإنه يوقد في فؤاد ابن آدم النار ، ألا تروه إذا غضب كيف تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه » « 1 » ، وهو في مصطلح علماء البيان عبارة عن إخراج الكلام على ضد مقتضى الحال استهزاء بالمخاطب ، ودخوله كثير في كلام الله تعالى : وكلام رسوله وعلى ألسنة الفصحاء ، وله موقع عظيم في إفادة البلاغة والفصاحة ، ويرد على أوجه خمسة ، أولها أن يكون واردا على جهة الوعيد بلفظ الوعد تهكما ، وهذا كقوله تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 34 )
[ التوبة : 34 ] وقوله تعالى :
بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 138 )
[ النساء : 138 ] فلفظ البشارة دال على الوعد وعلى حصول كل محبوب ، فإذا وصل بالمكروه كان دالا على التهكم لإخراجه المحبوب في صورة المكروه ، وثانيها أن تورد صفات المدح والمقصود بها الذم ، ومثاله قوله تعالى :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( 49 )
[ الدخان : 49 ] لأن المقصود هو الاستخفاف والإهانة ، ولهذا ورد في حق من كان يدخل النار ، والغرض منه الذليل المهان ، ولكنه أخرجه هذا المخرج للتهكم ، وثالثها قوله تعالى :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ
[ الأحزاب : 18 ] وقوله تعالى :
قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
[ النور : 64 ] وقوله تعالى :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ
[ الأنعام : 33 ] فما هذا حاله دال على القلة ، لأن المضارع إذا لصق به قد ، فهو دال على القلة والغرض هاهنا التكثير والتحقيق للعلم بما ذكره ، وإنما أورده على جهة التهكم بهم والاستهانة بحالهم حيث أسروا الخدع والمكر جهلا بأن الله تعالى غير مطلع على تلك الخفايا ولا محيط بتيك السرائر ، فأورده على جهة التقليل ، والغرض به التحقيق انتقاصا بحالهم في ظنهم لما ظنوه من ذلك ، ورابعها قوله تعالى :
رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ( 2 )
[ الحجر : 2 ] فأورده على جهة التقليل ، وأخرجه مخرج الشك ، والغرض به التكثير والتحقيق في حالهم تلك ، لأنهم في تلك الحالة يتحققون ويقطعون بأنهم لو كانوا على الإسلام قطعا ويقينا لما
هامش
( 1 ) رواه البغوي في شرح السنة 14 / 241 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 1 / 148 .