الصنف الرابع والعشرون في الإدماج
وهو إفعال من قولهم أدمج حديثه إذا أدخل بعضه في بعض ، وهو في مصطلح علماء البيان عبارة عن إدخال نوع من البديع في نوع آخر ، فيظهر أحدهما ويدمج الآخر ، ثم هو على وجهين ، الوجه الأول منهما أن يكون ظاهره التهنئة فيدمج شكوى الزمان فيه ، ومثال قول من قال :
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا * وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمّها * ودع أمرنا إن المهمّ المقدم « 1 »
فتأمل إدماجه شكوى الزمان وما عليه من اختلال الأحوال فيما يظهره من التهنئة فأحسن الأمر في ذلك وأجاد فيه كل الإجادة ، وتلطف حيث صان نفسه عن ظهور المسألة بالتصريح بها ، وكقول من قال :
ولا بدّ لي من جهلة في وصاله * فمن لي بخلّ أودع الحلم عنده « 2 »
فأدمج الهجر في التغزل حيث قال « من جهلة في وصاله » وفي هذا دلالة على كونه هاجرا لمحبوبه ، وأدمج شكوى الزمان بأحسن عبارة ، حيث استفهم عن كونه لا يجد أحدا يودع عنده حلمه ، ثم كنى عن نفسه بكثرة التزامه للحلم حيث كان لا يفارقه في حال ، فكل هذه المعاني مدمجة في ظاهر ما يبدو من الغزل في البيت ، فهذه معان متداخلة كما ترى يشتمل عليها هذا الوجه .
الوجه الثاني : أن يكون الإدماج واردا في نوعين من أنواع البديع فيندرج أحدهما تحت الآخر ، ويخالف ما ذكرناه في الوجه الأول ، فإنه إدماج لأغراض ومقاصد لا غير ، ومثاله قول من قال من أهل الرقائق :
أأرضى أن تصاحبني بغيضا * مجاملة وتحملني ثقيلا
وحقّك لا رضيت بذا لأنى * جعلت وحقّك القسم الجليلا « 3 »
هامش
( 1 ) انظر المصباح ص 266 .
( 2 ) انظر المصباح ص 267 .
( 3 ) انظر المصباح ص 267 ، 268 .