فاستوعب جميع نوعي الجواب في النفي والإثبات ، فلم يبق بعد ذلك شيء ، فما هذا حاله إذا ورد في الكلام في نظمه أو نثره كان أدل ما يكون على البلاغة وأقوم شيء في الفصاحة ، ولا يكاد يختص به إلا من رسخت قدمه فيها .
الصنف الثاني عشر الإكمال
وهو إفعال ، من أكمل الشئ إذا حصله على حالة لا زيادة عليها في تمامه ، وهو في مصطلح علماء البيان مقول على أن تذكر شيئا من أفانين الكلام ، فترى في إفادته المدح كأنه ناقص لكونه موهما بعيب من جهة دلالة مفهومه فتأتي بجملة فتكمله بها تكون رافعة لذلك العيب المتوهم ، وهذا مثاله أن تذكر من كان مشهورا بالشجاعة دون الكرم ، ومن كان عالما بالبلاغة دون سداد الرأي ونفاذ العزيمة ، فترى في ظاهر الحال أنه ناقص بالإضافة إلى عدم تلك الصفة المفقودة عنه ، فتذكر كلاما يكمل المدح ويرفع ذلك التوهم كما قال كعب بن سعد الغنوي في ذلك :
حليم إذا ما الحلم زيّن أهله * مع الحلم في عين العدوّ مهيب « 1 »
فإنه لو اقتصر على قوله « حليم إذا ما الحلم زين أهله » لأوهم إلى السامع أنه غير واف بالمدح ، لأن كل من لا يعرف منه إلا الحلم ربما طمع فيه عدوه فنال منه ما يذم به ، فلما كان ذلك متوهما عند إطلاقه أردفه بما يكون رافعا للاحتمال مكملا للفائدة بوصف الحلم ، وهو قوله « مع الحلم في عين العدو مهيب » ليدفع به ما ذكرناه من التوهم ، وكقول السموأل بن عادياء :
وما مات منا سيّد في فراشه * ولا طلّ منا حيث كان قتيل « 2 »
فلو اقتصر على قوله : « وما مات منا سيد في فراشه » لأوهم أنهم صبر على الحروب والقتل دون الانتصار من أعدائهم فلا جرم أكمله بقوله « ولا طل منا حيث كان قتيل » فارتفع ذلك الاحتمال المتوهم وزال ، وكما قال ابن الرومي نثرا : إني وليّك الذي لم يزل تنقاد إليك مودته من غير طمع ولا جزع ، وإن كنت ولذي الرغبة مطلبا ، ولذي الرهبة مهربا ، فلو سكت على قوله إني وليك الذي لم يزل تنقاد إليك مودته من غير طمع ولا
هامش
( 1 ) انظر المصباح ص 216 ، 217 .
( 2 ) البيت في المصباح ص 217 .