تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
لم يبق جودك لي شيئا أؤمّله * تركتني أصحب الدنيا بلا أمل « 1 »
فقوله « تركتني أصحب الدنيا بلا أمل » مؤكد لما دلت عليه الجملة الأولى بظاهرها ، وهو قوله « لم يبق جودك لي شيئا أؤمله » لأنه مصرح بأن جوده لم يترك له أمنية يتمناها . فلم يبق له أمل في الدنيا يرجو حصوله بحال ، وهذا نهاية المدح ، وقد أخذه المتنبي وزاد عليه في قوله من قصيدة يمدح بها سيف الدولة :
تمسى الأمانىّ صرعى دون مبلغه * فما يقول لشيء ليت ذلك لي « 2 »
وهذا أعظم من الأول في المدح وأدخل في الأدب مع الممدوح ، حيث جعله في قبيل من لا يتمنى شيئا أصلا . الوجه الثاني أن تكون الجملة الثانية مسوقة من أجل تأكيد مفهوم الكلام ، ومثاله بيت النابغة :
ولست بمستبق أخا لا تلمّه * على شعث أىّ الرّجال المهذّب « 3 »
فقوله « ولست بمستبق أخا لا تلمه » دال من جهة مفهومه على نفى الكامل من الرجال ، ثم أكد هذا المفهوم بقوله « أي الرجال المهذب » لأن معناه أنا أستفهمك عنه فإني لا أكاد أجده ، ومن ذلك ما قاله الحطيئة :
نزور فتى يعطى على الحمد ماله * ومن يعط أثمان المكارم يحمد « 4 »
فمفهوم قوله « يعطى على الحمد ماله » أنه لا يعطى ماله إلا لأجل أن يحمد ، وقوله بعد ذلك « ومن يعط أثمان المكارم يحمد » محقق له ومؤكد لفائدته ، فلأجل هذا كان ما هذا حاله تذييلا ، واشتقاقه من ذيل الفرس ، إما لأنه زائد على كمال خلقها ، كما أن هذا مزيد على جهة التوكيد ، وإما لأنه في عجزها كما أن هذا إنما يأتي على أدبار الجمل مقررا لها .

الصنف الرابع عشر في التفسير

وهو تفعيل من الفسر ، وهو البيان ، يقال فسر الكلام يفسره إذا بيّنه ، ويقال لنظر الطبيب إلى بول الرجل فسر لأنه يتبين به حاله ، وهو في مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يقع في مفردات كلامك لفظ مبهم أو عدد مجمل أو غير ذلك مما يفتقر إلى بيان ، فتأتي بما يقرر ذلك ويكون شرحا له من بيان وكشف ، ثم إن وقوعه يكون على وجهين ،
هامش
( 1 ) البيت لابن نباتة السعدي ، وانظر المصباح ص 218 . ( 2 ) البيت في المصباح ص 218 . ( 3 ) انظر المصباح ص 219 . ( 4 ) البيت في المصباح ص 219 .