تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
فالبيت الأول دال على التوجيه بمعنى أنه يحتمل أن يريد مدحه وأن يريد ذمه لأنه صرح بأن فيه الخير والشر ، وفيه الحلم والجهل ، فيحتمل أن يكون المراد مدحه ، ويحتمل أن يريد ذمه ، فإذا قال بعد ذلك في البيت الثاني إنه بريء عن مكروهها ، ومنزه عنه ، وأنه في محبوبها له الزيادة على غيره في الصفات المحمودة ، أزال ما يحتمله الأول من الذم ، وأزال توجيهه الذي يحتمله . الوجه الثاني أن يكون الذي يؤتى به من الكلام موضحا لحكم خفى ومثاله ما يقوله بعض الشعراء :
ومقرطق يغنى النديم بوجهه * عن كأسه المملى وعن إبريقه فعل المدام ولونها ومذاقها * في مقلتيه ووجنتيه وريقه « 1 »
فالبيت الأول حكمه خفى لإيراد القصد فيه ، لأنه لم يفصح بمقصوده عن كون النديم يغنى بوجهه ، وما الذي أغناه عن حمل الكأس والإبريق ، فلما قال في البيت الثاني :
فعل المدام ولونها ومذاقها * في مقلتيه ووجنتيه وريقه
وأراد أن المقلتين يسكران من نظر إليهما ويخجلانه كما تسكر الخمر العقول وتحيرها وتدهشها وحمرة المدام تشبهها حمرة خديه ، ومذاق المدام يشبه ريقه ، صار البيت موضحا لهذه الأمور الثلاثة مبينا لها ولحكمها ، والمقرطق بالقافين ، لابس القباء ، والمقرطف . بقاف وفاء هو اللابس لثوب له خمل والله أعلم .

الصنف العاشر التتميم

وهو تفعيل من قولهم تممه إذا أكمله ، وهو في مصطلح علماء البيان عبارة عن تقييد الكلام بفضلة لقصد المبالغة ، أو للصيانة عن احتمال الخطأ ، أو لتقويم الوزن ، فهذا تقرير معناه في مراد علماء البلاغة ، ثم يرد على أوجه ثلاثة ، إما للمبالغة ، وإما للصيانة ، وإما لإقامة الزنة على حد ما ذكرناه في شرح ماهيته ، أولها أن يكون واردا على جهة المبالغة بأن تكون الفائدة في تلك الفضلة إنما هي المبالغة لا غير ، ومثاله قول زهير :
من يلق يوما على علّاته هرما * يلق السّماحة منه والنّدى خلقا « 2 »
هامش
( 1 ) البيتان لابن حيوس ، وانظر المصباح ص 206 . ( 2 ) البيت في المصباح ص 210 .