تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
فقوله « على علاته » تتميم للمبالغة ، فوقعت في غاية الحسن والرشاقة كما ترى ، والمراد بقوله على علاته أي على حالاته وكقوله يمدح هرما أيضا :
إن الكريم على علاته هرم
فهذه اللفظة حصل من أجلها مبالغة في المدح لا يخفى . وثانيها أن تكون واردة على جهة الصيانة عن احتمال الخطأ فترد رافعة له ، ومثاله ما قاله بعض الشعراء :
فسقى ديارك غير مفسدها * صوب الرّبيع وديمة تهمى « 1 »
فقوله غير مفسدها فضلة واردة لرفع الإيهام الحاصل ممن يدعو على الديار بكثرة المطر ليكون مفسدا لها ، فانظر إلى موقع هذه اللفظة ما أرقه وما ذاك إلا من أجل ما اشتملت عليه من هذا الاحتراز الذي ذكرناه ، وهكذا قول من قال :
لئن كان باقي عشينا مثل ما مضى * فللحبّ إن لم يدخل النار أروح « 2 »
فقوله إن لم يدخل النار معناه سلامة العاقبة ، وأراد أن أول الحب كان فيه بلهنية وخفض عيش ولذة وراحة ، فإن كان آخره مثل أوله فالحب لا محالة أحمد عاقبة ، لكن بشرط أن تكون العاقبة فيه سليمة عما يشوبها ، لأن الحب الأكثر فيه أن يكون خطأ تكاد أن تكون عقابه وخيمة يدخل بسببها النار ، فإذا كان هذا سليمة عواقبة فهو أروح ، يعنى مشتهى لسلامته عما لا يكاد ينفك عنه . وثالثها أن يكون واردا على جهة الاستقامة للوزن ولا يحتاج إليه في المبالغة ولا للاحتراز ، ومثاله قول المتنبي :
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه * يا جنتي لرأيت فيه جهنّما « 3 »
فإن المعنى تام ، لكنه لما كان الوزن غير مستقيم لو انخرم عن قوله يا جنتي ، أتى بها من أجل استقامة الزنة لا غير ، فحصل طباق وحسن موقع لا يوجد مع حذفها ، ولو قال عوضها « يا منيتي » لاستقام الوزن ، لكن لا طباق فيها ولا يكون لها موقع حسن ، وقد ذكرنا فيما سلف الاعتراض ، وبينا ما يحسن منه وما يقبح ، فأغنى عن الإعادة وبالله التوفيق .
هامش
( 1 ) البيت لطرفة بن العبد ، وانظر المصباح ص 210 . ( 2 ) البيت لأبى الطيب بن الوشاء ، وانظر المصباح ص 211 . ( 3 ) البيت في المصباح ص 211 .