تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩

الصنف الحادي عشر الاستيعاب

وهو استفعال من قولهم : استوعبت ما في القدح من اللبن شربا ، إذا أتيت عليه . وهو في لسان أهل البلاغة عبارة عن أن يتعلق بالكلام معنى له أقسام متعددة فيستوعبها في الذكر ويأتي عليها ، ومثاله قول عمر بن أبي ربيعة :
تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع * ولا الحبل موصول ولا أنت تقصر ولا قرب نعم إن دنت لك نافع * ولا نأيها يسلى ولا أنت تصبر « 1 »
فانظر إلى استيعابه جميع متعلقات قوله « تهيم بحيث لو عددها بحرف العطف لكان ذلك صحيحا جامعا ، وقد جاء في القرآن ما هذا حاله كقوله تعالى :
يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً
[ الشورى : 49 ] فهذا التقسيم حاصر لا مزيد على حصره مع ما فيه من البلاغة التي ليس وراءها غاية ، لأنه في معنى ، الناس على طبقاتهم واختلاف أحوالهم على أربعة أصناف ، فمنهم من له بنات لا غير ، ومنهم من له بنون ، ومنهم ذو بنات وبنين ، ومنهم من هو عقيم لا ولد له من ابن ولا بنت فهذه الآية مستوعبة لما ذكرناه ، وكقول بشار :
فراح فريق في الأسارى ومثله * قتيل وقسم لاذ بالبحر هاربه « 2 »
فاستوعب أنواع التنكيل وتفريق الشمل ، كأنه قال صاروا بين أسير ومقتول وهارب في البحار لعله ينجو ، وكما فعله عمرو بن الأهتم بهذيل في قوله :
اشربا لا شربتما فهذيل * من قتيل وهارب وأسير « 3 »
فاستوعب ما وقعوا فيه من أنواع العذاب بالقتل والأسر والتطريد ، وكما قال بعض أهل الحماسة :
فهبها كشىء لم يكن أو كنازح * به الدّار أو من غيّبته المقابر « 4 »
فجمع في ذلك بين أنواع العدم حتى استوعبها ، وكما قال نصيب :
فقال فريق القوم لمّا سألتهم * نعم وفريق أيمن الله ما ندري « 5 »
هامش
( 1 ) البيتان في المصباح ص 214 . ( 2 ) البيت في المصباح ص 212 . ( 3 ) البيت في المصباح ص 213 . ( 4 ) البيت لعمر بن أبي ربيعة ، وانظر المصباح ص 213 . ( 5 ) البيت في المصباح ص 214 .