أقول لها وقد جشأت وجأشت * مكانك تحمدى أو تستريحى
ومن هذا ما قاله بعض الشعراء :
أقول للنفس تأساء وتعزية * إحدى يدىّ أصابتنى ولم ترد « 1 »
ومن ذلك ما قاله الأعشى « 2 » :
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل
فهو في هذه الأبيات كلها خطابه مقصور على نفسه دون غيره ، فإذا تمهدت هذه القاعدة فهل يطلق اسم التجريد على النوع الثاني على جهة الحقيقة أم لا ، وفيه مذهبان ،
المذهب الأول أنه لا يطلق عليه اسم التجريد ، وإنما يقال له نصف تجريد ، وهذا هو الذي زعمه ابن الأثير ،
فإن التجريد الحقيقي هو ما ذكرناه في النوع الأول ، وهو أن تخاطب غيرك وتوجه الخطاب إليه وأنت تريد نفسك ، وأما ما هذا حاله فإنك توجه الخطاب فيه إلى نفسك ، فلهذا كان نصف تجريد كما ترى ، والحقيقة هي أن الإنسان لا يخاطب نفسه ، وإنما يخاطب غيره .
المذهب الثاني أن اسم التجريد يطلق عليه وهذا هو الذي ذكره أبو علي الفارسي
وهذا وهو الأقرب ، وتقريره هو أن الإنسان حقيقة ليس عبارة عن هذه الصورة المدركة من الأبعاض والأوصال ، وإنما هو أمر وراء ذلك ، وللعلماء فيه خوض عظيم وتفاصيل طويلة ، وأقربها مذهبان ، أحدهما وهو الذي عول عليه المعتزلة وهو مذهب أئمة الزيدية ، أن حقيقة الإنسان عبارة عن مجموع آسان متصلة به تقصد بالمدح والذم والثواب والعقاب والأمر والنهى وغير ذلك مخالفة لسائر الحقائق وهي الإنسانية ، وهي مؤلفة من أجزاء جسمانية ، وثانيهما مذهب أكثر الفلاسفة ، وهو أن الإنسانية عبارة عن النفس الناطقة ، وهي أمر حاصل في الإنسان ليست جسما ولا عرضا ، ولكنها حقيقة معقولة إلى غير ذلك من التفاصيل لمذهبهم ، فإذا كان الأمر كما قلناه فحاصل كلام الفارسي أن العرب تعتقد
هامش
( 1 ) البيت لأعرابى في خزانة الأدب 4 / 312 ، 6 / 361 ، وبلا نسبة في الخصائص 3 / 25 ، وشرح المفصل 3 / 10 .
( 2 ) البيت في الإيضاح ص 319 .