تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
وقد أجاب بعض الشعراء عن لغز هذين البيتين فقال :
سؤالك جلمود من الصخر أسود * خفيف لطيف ناعم الجسم أملس أقيم بسوق الصّرف حكما كأنه * من الزّنج فاض بالخلوق مطلّس
ومن لطيف الإلغاز ورشيقه ما قاله بعض الشعراء في الخلخال :
ومضروب بلا جرم * مليح اللون معشوق له قد الهلال على * مليح القد ممشوق وأكثر ما يرى أبدا * على الأمشاط في السّوق
فهذا ما أردنا ذكره من أمثله الإلغاز في المنظوم ، فأما أمثلته من المنثور فهي كثيرة ، وقد ورد في الحريريات كالذي ضمنه المقامة الثامنة في الإبرة والمرود وغير ذلك فيها ، فأما القرآن الكريم فليس فيه شيء من ذلك ، لأن ما هذا حاله إنما يعرف بالحدس والنظر ، والقرآن خال عن ذلك ، لأن معرفة معانيه مقررة على ما يكون صريحا لا يحتمل سواه من المعاني ، أو ظاهرا يحتمل غيره ، أو مجملا يفتقر إلى بيان ، فأما ما يعلم بالحزر والحدس فلا وجه له في القرآن ، وأما السنة فقد روى أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان سائرا بأصحابه يريد بدرا فلقيه بعض العرب فقال لهم ممن القوم ؟ فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « نحن من ماء » ، فأخذ الرجل يفكر ويقول من ماء من ماء لينظر أي العرب يقال له ماء ؟ ، وهذا ليس يعد من الإلغاز وإنما يعد من المغالطة المعنوية ، لأن قوله « ماء » يحتمل أن يكون بعض بطون العرب يقال له « ماء » كما يقال هو « ماء السماء » ويحتمل أن يكون مراده أنهم مخلوقون من الماء ، أي النطفة ، فهو كما ذكرناه صالح للأمرين على جهة الاشتراك ، ودلالة الإلغاز إنما هي من جهة الحدس لا من جهة اللفظ كما أشرنا إليه ، فإذن فالقرآن والسنة جميعا منزهان عما ذكرناه من الإلغاز ، ويحكى عن امرئ القيس أنه تزوج امرأة فأراد امتحانها من هذه الإلغازات ، فقال لها قبل أن يتزوجها ما اثنان ، وما ثلاثة ، وما ثمانية ، فقالت : أما الاثنان فثديا المرأة ، وأما الثلاثة فأخلاف الناقة ، وأما الثمانية فأطباء الكلبة ، وهو كثير في كلام العرب في منظومها ومنثورها كما أشرنا إليه .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 39 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي