تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥

الصنف التاسع عشر التجاهل

اعلم أن هذه الصيغة أعنى « تفاعل » موضوعة على أن تريك الفاعل على صفة ليس هو عليها ، وهذا كقولك لغيرك تضارر وما به ضرر ، وتعامى عن الحق وما به عمى ، وتجاهل وما به جهل ، هذا ما تفيده باعتبار وضعها ، والتجاهل مصدر تجاهل ، فالتجاهل يعطى ما يعطيه قولنا تجاهل ، وهو ما ذكرناه ، وأما وضعه في اصطلاح علماء البيان ، فهو منقول إلى فن من فنون البديع ، وهو أن تسأل عن شيء تعلمه موهما أنك لا تعرفه وأنه مما خالجك فيه الشك والريبة وشبهة عرضت بين المذكورين ، وهو مقصد من مقاصد الاستعارة ، يبلغ به الكلام الذروة العليا ، ويحله في الفصاحة المحل الأعلى ، ومثاله قول بعض الشعراء :
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل * وبين النّقا آنت أم أمّ سالم
فانظر إلى عمله في هذا البيت كيف جهل نفسه وأنزلها منزلة غبي لا يفرق بين أم سالم وبين الظبية الوحشية في الصورة ، وأنها متلبسة عليه بها ، وأوهم في كلامه هذا أنه أشكل عليه المسمى باسم الظبية على جهة الحقيقة ، وأنه لا يميز بين الأمرين ، هل اسم الظبية مستعار لأم سالم من الظبية الوحشية ، أو يكون الأمر على العكس من ذلك ، فلما كان الأمر كما قلناه سأل عن ذلك واستفهم عنه ، فمتى سيق الكلام على هذا المساق ، بلغ في الفصاحة مكانا رفيعا ، ويقرب من ذلك ما قاله بعضهم « 1 » :
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا * ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر
فانظر إلى تحيره هل ليلاه من الإنس ، أم من الوحش ، وهمزة الاستفهام محذوفة ، وقد دل عليها بقوله أم ، لأنها تشعر بها وتحذف معها كثيرا ، إلا أن تكون أم منقطعة ، فقد تأتى بغير همزة كما هو محقق في علم الإعراب ، ومن ذلك ما قاله زهير « 2 » :
وما أدرى وسوف إخال أدرى * أقوم آل حصن أم نساء
هامش
( 1 ) البيت نسب للعرجى وللمجنون ولذي الرمة وللحسين بن عبد الله ، وانظر المصباح ص 88 . ( 2 ) البيت في المصباح ص 88 ، والديوان ص 73 .