تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١

الصنف السابع عشر في التجريد

اعلم أن التجريد في أصل اللغة هو إزالة الشئ عن غيره في الاتصال ، فيقال : جرّدت السيف عن غمده ، وجردت الرجل عن ثيابه ، إذا أزلتهما عنهما ، ومنه قوله عليه السلام « لا مد ولا تجريد » يعنى في حد القذف وحد الشرب ، وأراد أن المحدود لا يمد على الأرض ولا يجرد عن ثيابه ، فأما في مصطلح علماء البيان فهو مقول على إخلاص الخطاب إلى غيرك وأنت تريد به نفسك ، وقد يطلق على إخلاص الخطاب على نفسك خاصة دون غيرها ، وهو من محاسن علوم البيان ولطائفه ، وقد استعمل على ألسنة الفصحاء كثيرا فصار مقولا على هذين الوجهين ، فلنقصر الكلام فيه عليهما ، ونذكر له تقريرين .

التقرير الأول في التجريد المحض

وهو أن تأتى بكلام يكون ظاهره خطابا لغيرك وأنت تريده خطابا لنفسك فتكون قد جردت الخطاب عن نفسك وأخلصته لغيرك ، فلهذا يكون تجريدا محققا ، وهذا كقول بعض الشعراء في مطلع قصيدة له :
إلام يراك المجد في زىّ شاعر * وقد نحلت شوقا فروع المنابر كتمت بعيب الشعر حلما وحكمة * ببعضهما ينقاد صعب المفاخر أما وأبيك الخير إنّك فارس ل * مقال ومحيى الدارسات الغوائر وإنّك أعييت المسامع والنّهى * بقولك عمّا في بطون الدّفاتر
فهذا وما شاكله من أحسن ما يوجد في التجريد ، ألا تراه في جميع هذه الخطابات ظاهرها يشعر بأنه يخاطب غيره والغرض خطاب نفسه ، وهذا هو السر واللباب في التجريد كما أسلفنا تقريره .

التقرير الثاني في بيان التجريد غير المحض

وهو أن تجعل الخطاب لنفسك على جهة الخصوص دون غيرها ، والتفرقة بين هذا ، والأول ظاهرة ، فإنك في الأول جردت الخطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك ، فإطلاق اسم التجريد عليه ظاهر ، بخلاف الثاني ، فإنه خطاب لنفسك لا غير ، وإنما قيل له تجريد لأن نفس الإنسان لما كانت منفصلة عن هذه الأبعاض والأوصال ، صارت كأنها منفصلة عنها فلهذا سمى تجريدا ، ومثاله ما قاله عمرو بن الإطنابة « 1 » :
هامش
( 1 ) البيت في إنباه الرواة 3 / 281 ولسان العرب ( جشأ ) وهمع الهوامع 2 / 13 .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 41 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي