الصنف السادس عشر في التوشيح
اعلم أن هذا النوع إنما لقب بالتوشيح لأن معناه أن يبنى الشاعر قصيدته على بحرين من البحور الشعرية ، فإذا وقف على القافية الأولى فهو شعر كامل مستقيم ، وإذا وقف على الثانية كان بحرا آخر ، وكان أيضا شعرا مستقيما من بحر آخر ، فلما كان ما يضاف إلى القافية الأولى زائدا على الثانية سمى توشيحا ، لأن الوشاح ما يكون من الحلى على الكشح زائدا عليه ، ويقال له التشريع أيضا ، لأن ما هذا حاله من الشعر فإن النفس تشرع إلى تمام القافية وكمالها ، وقد يقع في المنثور أيضا على معنى أن الفقرة الأولى تكون مختصة بتسجيعتين وتكون الثانية تابعة لها على هذا الحد ، وهذا التوشيح إنما يقع ممن كان يتعاطى التمكن من صناعة النظم ، عظيم البراعة في ذلك مقتدرا على كثير من الأساليب ، ومن أمثلته ما قاله بعض الشعراء :
اسلم ودمت على الحوادث ما رسا * ركنا ثبير أو هضاب حراء
ونل المراد ممكّنا منه على * رغم الدهور وفز بطول بقاء
فإذا اقتصرت على القافية الأولى وهي ما رسا ركنا ثبير ، كان شعرا تاما قد اختص ببحر مخصوص ، وإذا زدت عليه قولك أو هضاب حراء ، كان شعرا آخر مختصا ببحر آخر ، وهكذا حال البيت الثاني كما ترى ، وهكذا قوله « 1 » :
وإذا الرّياح مع العشىّ تناوحت * هدج الرّئال تكبّهنّ شمالا
ألفيتنا نقرى العبيط لضيفنا * قبل العيال ونقتل الأبطالا
فالاقتصار على قوله هدج الرئال بيت على حياله على بحر من بحور الشعر ، فإذا زدت قوله تكبهن شمالا ، كان شعرا وخرج عن البحر الأول ، وهكذا حال البيت الثاني في قوله قبل العيال مع قوله ونقتل الأبطالا ، وقد وقع في الحريريات كقوله « 2 » :
يا خاطب الدنيا الدّنية إنها * شرك الرّدى وقرارة الأكدار
فقوله شرك الردى ، بيت كامل على بحر مخصوص ، وإذا أضفت إليه قوله وقرارة الأكدار ، كان شعرا وكان من بحر آخر ، وقد روى عن بعض الشعراء أنه كان ينظم القصيدة على ثلاثة أبحر من الشعر ثم ينشد كل واحد منها على حياله مخالفا للآخر ، واقترح عليه بعض أصحابه أن يصنع مثل ذلك فصنعه وأجاد فيه ، نعم وإن كان واردا في المنظوم والمنثور كما ذكرناه ، ولكن وروده في المنظوم أحسن بهجة وأرسخ عرقا في البلاغة .
هامش
( 1 ) البيتان في المصباح ص 175 ، وهما للأخطل في ديوانه ص 246 .
( 2 ) البيت في المصباح ص 176 وهو للحريرى في مقاماته ص 192 .