تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨

الضرب الثاني في أمثلة الإلغاز وهو الأحجية

وهو ميلك بالشئ عن وجهه ، واشتقاقه من قولهم طريق لغز إذا كان يلتوى ويشكل على سالكه ، ويقال له المعمى أيضا ويفارق ما ذكرناه من المغالطة المعنوية فإنها مبنية على اشتراك اللفظ بين معنيين كما أسلفنا تقريره ، بخلاف اللغز ، فإنه إنما يوجد من جهة الحدس والحزر لا من جهة دلالة اللفظ بحقيقته ، ولا بمجازه ، ومثاله قول بعض الشعراء في الضرس :
وصاحب لا أملّ الدهر صحبته * يسعى لنفعى ويسعى سعى مجتهد ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت * عيني عليه افترقنا فرقة الأبد
فما هذا حاله من الكلام ليس فيه دلالة على الضرس لا من جهة حقيقة اللفظ ولا من جهة مجازه ، وإنما هو شيء يعرف بدقة الذكاء وجودة الفطنة ، ومن أجل هذا تختلف القرائح في السرعة والإبطاء في فهمه ، ومن الأمثلة ما قال بعض الشعراء في أيام الأسبوع ولياليه :
سبع رواحل ما ينخن من الونى * شيم تساق بسبعة زهر متواصلات لا الدّءوب يملّها * باق تعاقبها على الدهر
فما ذكره لا يفهم من طريق الحقيقة ولا من جهة المجاز ولا من جهة المفهوم ، وإنما يفهم بطريق الحدس والحزر ، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبي يصف السفن في قصيدته التي يمدح بها سيف الدولة عند ذكره لصورة الفرات التي مطلعها ( الرأي قبل شجاعة الشجعان ) قال فيها :
وحشاه عادية بغير قوائم * عقم البطون حوالك الألوان تأتى بما سبت الخيول كأنها * تحت الحسان مرابض الغزلان « 1 »
وهذا من جيد ما يذكر في الإلغاز وبديعه لما فيه من الرشاقة والحسن ، ومن ذلك ما قاله بعضهم يصف حجر المحكّ الذي تستعمله الصاغة :
ومدّرع من صبغة الليل برده * يفوق طورا بالنّضار ويطلس إذا سألوه عن عويصين أشكلا * أجاب بما أعيا الورى وهو أخرس
هامش
( 1 ) البيتان في الديوان ج 2 ، ص 173 .