تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦

الصنف الخامس عشر في التورية

اعلم أن هذا الاسم عبارة عن كل ما يفهم منه معنى لا يدل عليه ظاهر لفظه ويكون مفهوما عند اللفظ به ، واشتقاقه من قولهم وريت عن كذا إذا سترته ، وفي الحديث كان إذا أراد سفرا ورى بغيره ، أي ستره وكنى عنه وأوهم أنه يريد غيره ، وهذا نحو الكناية والتعريض ، والمغالطة والأحاجى والألغاز ، فهذه الأمور كلها مشتركة في كونها دالة على أمور بظاهرها ، ويفهم عند ذكرها أمور أخر غير ما تعطيه بظواهرها ، فأما الكناية والتعريض فقد قدمنا الكلام فيهما ، وذكرنا أمثلتهما ، وأظهرنا التفرقة بينهما فأغنى ذلك عن إعادته ، والذي نذكره هاهنا ، إنما هو المغالطة والإلغاز والأحجية وهي مندرجة تحت الإلغاز ، وليس بينهما تفرقة ، فهذان ضربان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما ، وهذه الأمور كلها ، وإن كانت قريبة المأخذ سهلة المدرك ، وليس يتعلق بها كبير بلاغة ولا عظيم فصاحة ، ولكنها غير خالية عن تفنن في الكلام واتساع فيه ، وتدل على تصرف بالغ وقوة على تصريف الألفاظ واقتدار على المعاني فهي غير خالية عن فن من فنون البلاغة وعلم البديع ، وقد جرت عادة العلماء من أهل البلاغة على ذكرها والكلام عليها ، فلا جرم أوردناها ولم نخل هذا الكتاب عنها .

الضرب الأول في المغالطة المعنوية

اعلم أن المغالطة المعنوية هي أن تكون اللفظة الواحدة دالة على معنيين على جهة الاشتراك فيكونان مرادين بالنية دون اللفظ ، وذلك لأن الوضع في اللفظة المشتركة أن تكون دالة على معنيين فصاعدا على جهة البدلية ، هذا هو الأصل في وضع اللفظ المشترك ، فإذا كان المعنيان مرادين عند إطلاقها ، فإنما هو بالقصد دون اللفظ ، والتفرقة بين المغالطة والإلغاز هو أن المغالطة كما ذكرناه إنما تكون بالألفاظ المشتركة وهي دالة على أحدهما على جهة البدلية وضعا ، وقد يرادان جميعا بالقصد والنية ، بخلاف الإلغاز ، فإنه ليس دالا على معنيين بطريق الاشتراك ولكنه دال على معنى من جهة لفظه وعلى المعنى الآخر من جهة الحدس لا بطريق اللفظ فافترقا بما ذكرناه ، ويتضح الحال في المغالطة المعنوية بذكر أمثلتها ، المثال الأول ما قاله أبو الطيب المتنبي « 1 » :
يشلّهم بكلّ أقبّ نهد * لفارسه على الخيل الخيار
هامش
( 1 ) الأبيات في الديوان ج 2 ص 153 .