تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في كتبه في المصاحف اختلافا شديدا ، وزيف كل واحد منهم مصحف الآخر وأنكره ، وفي هذا دلالة على أنهم على غير حقيقة في نقله ، وعلى غير ثقة من أمره ، فاشتهر أن عثمان حرق مصحف عبد الله بن مسعود في خلافته ، وقال ابن مسعود : لو تملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم مثل ما صنعوا ، وكان ابن مسعود يطعن في زيد بن ثابت ويذمه ، حتى قال : إنه قرأ القرآن وإنه لفى صلب كافر ، يعنى « زيدا » وروى ابن عمر أن عمر وضع القرآن في مصحف وهو المصحف الذي كان عند « حفصة » وهو الذي أرسل مروان ، وهو وإلى المدينة إلى عبد الله بن عمر يوم ماتت « حفصة » يطلب ذلك المصحف منه ، فبعث ابن عمر به إليه ، فأمر بإحراقه مخافة الاختلاف ، فما ذكرناه دال على تفرقهم فيه ، واختلافهم في حاله ، وأنه غير متواتر النقل ولا مقطوع بأصله . والجواب أن المصاحف المشهورة ثلاثة ، مصحف ابن مسعود ، ومصحف أبي بن كعب ، ومصحف زيد بن ثابت فأما ابن مسعود فإنه قرأ القرآن بمكة ، وعرضه على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هناك ، وأما أبي بن كعب ، فإنه قرأه بعد الهجرة وعرضه على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك الوقت ، وأما زيد بن ثابت فإنه قرأه على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعدهما وكان عرضه على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم متأخرا عن الكل ، وكان آخر العرض قراءة زيد ، وبها كان يقرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبها كان يصلى إلى أن انتقل إلى جوار رحمة الله تعالى ، ومن المعلوم أنه كان يقرأ الآية الواحدة في الصلاة بالأحرف المختلفة ، فلما كان الأمر كما قلناه : اختار المسلمون ما كان آخرا ، وكان ذلك اختيار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واختيار الله له ، فلما كان ابن مسعود أقدم الثلاثة كان السامعون لحرف عبد الله أقل من السامعين لحرف أبي بن كعب ، والسامعون لحرف أبى أقل من السامعين لحرف زيد ، ولا شك أن الحرف الواحد كلما كان أكثر استفاضة كان أحق بالقبول ، فلأجل ذلك اتفقوا على حرف زيد لما ذكرناه ، ثم إن سائر الحروف وإن كانت صحيحة ، خلا أنهم خافوا من وقوع الاختلاف في الروايات للقرآن ، ويخرج القرآن عن أن يكون منقولا بالتواتر ، فرأوا بعد ذلك أن الأصوب حمل الناس على ذلك الحرف ، ومنعهم عن القراءة بسائر الأحرف لئلا يكون القرآن في محل الخلاف ، ثم إن بعضهم رأى قراءة القرآن بسائر الأحرف وهي القراءات الشاذة ، ولا مضرة فيه ، ومنهم من منع من ذلك ، فلأجل ذلك تكلم بعضهم في مصحف الآخر ، وذلك مما لا
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 252 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي