تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
جهة كونه خارقا للعادة مطابقا لدعواه ، ولا شك أن الفعل الخارق للعادة لا يدل على النبوة ، ولهذا فإنه يحكى عن ابن زكريا المتطبب الرازي أنه قال : إن رجلا كان يتكلم من إبطه فجاءنى يوما يشكو علة به فمازحه بعض جلسائي ، وقال قل للصبي يشكو ، فرد يده إلى إبطه وشكا إليه بكلام ، كأنه كلام إنسان رقيق الصوت به علة ، وهو كلام مفهوم ، ثم إن أحدا لم يفعل ذلك ، ثم إن ما هذا حاله غير دال على نبوته ، وحكى ابن زكريا أن رجلا كان لا يأكل الطعام سبعة وعشرين يوما ، ومثل هذا خارق للعادة ، ولا يكون دالا على النبوة ، فهكذا حال القرآن وإن خرق العادة ، لا يكون دالا على نبوته عليه السلام . والجواب عما زعموه أن ما ذكروه إنما يتقرر الجواب عليه إذا فرقنا بين المعجزة ، والشعوذة ، والتفرقة بينهما إنما تليق بالمباحث الكلامية ، وقد فصلنا ذلك تفصيلا شافيا ، فأغنى عن الإعادة ، فأما ما قالوه من الكلام في الإبط ، فإنما كان الأمر كذلك من إحداث الأصوات المقطعة المتولدة عن الاعتمادات على الاصطكاك ، فلا يمتنع إذا أدخل يده في إبطه أن يضغط على شيء من الأصابع على كيفية مخصوصة ، فيتولد الصوت المقطع عن الاعتماد ، كما تقول في هذه الألحان الطيبة ، والأوتار الموترة على تأليف مخصوص فإنه يحصل منها تقطيعات عظيمة ، تكاد أن تلحق بالقراءة لمكان تقطيعها وحاصل هذه الأمور كلها أنها مفتقرة إلى الآلات بحيث لا يمكن حصولها إلا بها ، بخلاف ما ذكرناه من المعجزات الباهرة فإنها غير مفتقرة إلى الآلة ، ولهذا فإن انقلاب العصا حية ، ما كان بحيلة ، ولا بإعمال قوة ، ولا بأدوات ، ولا بتحصيل آلات كما يفعله أهل الشعوذة ، ومن كان ماهرا في دقائق الحيل كأصحاب النّيرنجات وأهل الطلسمات فإنهم يعملون الحيل في مزج قوى الجواهر لتحصل منها أمور غريبة وهذه هي النيرنجات كما يفعله أهل خفة اليد ، وأما الطلسمات فحاصلها مزج القوى الفعالة السماوية بالأرض المنفعلة الأرضية ، كنقش خاتم عند طلوع كوكب ، فيحصل من استعماله على أمور غريبة ، وكل ذلك لا بدّ فيه من إعمال القوى وكد الحواس في استخراج قوانينه واستنهاض غرائبه ، فأما المعجزات السماوية فمما لا يحتاج فيها إلى استعمال شيء من الأشياء لكونها قد وقعت على وجه أدهش العقول ، وحير الألباب ، واضطرها إلى معرفة صدق من ظهرت عليه من غير كلفة ولا مشقة هناك ، إلا ما كان من الجحود والعناد ، فأما ما يحكى ممن كان لا يأكل الطعام أياما كثيرة ، فذلك إنما كان من جهة الرياضة وقد حكى عن هذا الرجل في ذلك بعد ما
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 250 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي